أبو الشريف رباح

على منصة الأمم المتحدة حيث تجتمع دول العالم وترفع أصوات الشعوب وقضاياها، _لم يكن السؤال يوم ٢٤ أيلول ٢٠٢٦، هو فقط من كان حاضراً في القاعة؟ بل برأي كان السؤال الأهم من كان حاضراً في ضمير ووجدان العالم،، ومن كان حاضراً بجسده فقط؟_ قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى واضحة،، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس لم يكن حاضرا في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، بينما كان رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حاضرا على المنصة، لكن المشهد الذي نقلته الصور الفيديوهات والأصوات من داخل القاعة وخارجها أعاد تعريف معنى الحضور والغياب.

فلسطين منعت من الحضور الشخصي بعد رفض الولايات المتحدة منح الرئيس محمود عباس وأعضاء من الوفد الفلسطيني تأشيرات الدخول، إلا أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أقرت وبأغلبية 152 دولة السماح لدولة فلسطين بالمشاركة عبر كلمة مسجلة مسبقا للرئيس محمود عباس، وهكذا ظهر الرئيس الفلسطيني على شاشات الأمم المتحدة من رام الله غائبا عن المقعد المخصص لدولة فلسطين لكنه كان حاضرا بصوته ورسالته وقضية شعبه، والكلمة التي ألقاها الرئيس محمود عباس لم تكن مجرد خطاب عبر شاشة، بل حملت إلى الأمم المتحدة صوت فلسطين ومعاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية والقدس وتمسكهم بالبقاء على أرضهم ورفض التهجير، والدعوة إلى إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين إلى ديارهم وفق قرارات الشرعية الدولية، وهنا تكمن المفارقة الأولى، الرجل الغائب جسدا كان حاضرا سياسيا، والقضية التي منع أصحابها من الحصول على تأشيرة وصلت إلى كل مقعد في القاعة.

وفي المقلب الآخر جاء نتنياهو إلى القاعة حاملا خطابه ووقف شخصيا أمام الجمعية العامة لكن لحظة صعوده إلى المنصة حملت مشهدا مختلفا تماما إذ غادرت أعداد كبيرة من الوفود القاعة احتجاجا على سياسات الحكومة الإسرائيلية والحرب في غزة، وقد شاهد العالم المقاعد الفارغة بعد انسحاب الوفود، وهنا لا يتعلق الأمر بتحديد من غادر ومن بقي بقدر ما يتعلق بالدلالة السياسية للمشهد، حضور نتنياهو الجسدي لم يضمن له حضور المستمعين، فقد كان واقفا على المنصة والمايك مفتوحا أمامه لكنه خاطب قاعة شبه خالية بعد خروج عدد كبير من الدبلوماسيين والوفود قبل وأثناء إلقاء كلمته، وفي المقابل كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس بعيدا آلاف الكيلومترات عن نيويورك لكن صوته وصل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وبحضور كافة أعضاءها، وكانت صورة المقاعد الفارغة أمام نتنياهو تحمل هي الأخرى رسالة سياسية لا تحتاج إلى كثير من الشرح.

إنها مفارقة تختصر المشهد كله، ففلسطين التي منعت من الحضور كانت حاضرة، والرئيس الفلسطيني الذي منع من الوصول إلى المنصة وصل صوته، أما من وصل إلى المنصة بجسده فقد وجد أمامه قاعة يغادرها الكثيرون احتجاجا على ما تمثله سياساته العدوانية، الصورة في الأمم المتحدة كانت واضحة جدا فالحضور في السياسة الدولية يقاس دائما بعدد المتضامنين وبمدى وصول القضية إلى الرأي العام والدبلوماسية الدولية، وقد تحولت شاشة صغيرة إلى منصة كبيرة لدولة فلسطين بينما تحولت قاعة كبيرة إلى مشهد من المقاعد الخالية أمام نتنياهو، ومن هنا فإن السؤال الذي يجب أن يسأل ليس من كان في القاعة؟ بل لمن كان الحضور الحقيقي على منصة الأمم المتحدة؟ هل كان لفلسطين التي غاب رئيسها عن القاعة والتي حضرت بصوتها وقضيتها ورسالتها؟ أم كان لمن حضر جسدا لكنه وجد أمامه وفودا تغادر القاعة في مشهد أصبح بحد ذاته جزءا من الرسالة التي حملتها جلسة الجمعية العامة للأمم المتحدة؟

في السياسة قد يغيب الإنسان عن المكان ولا تغيب قضيته. وقد يحضر الإنسان إلى المكان، لكن لا يجد من يريد الاستماع إليه، وهذا تحديدا ما جعل مشهد الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين يحمل مفارقة يصعب تجاهلها، الغائب الفلسطيني الذي استمع إليه الجميع، والحاضر الإسرائيلي الذي لم يسمعه أحد، فلسطين لم تكن في القاعة بجسد رئيسها لكنها كانت حاضرة بصوتها وشعبها وقضيتها، أما نتنياهو فكان حاضرا بجسده لكن مشهد خروج الوفود من القاعة جعل السؤال مفتوحا أمام العالم، من كان الحاضر فعلا ومن كان الغائب؟.