نور الهدى الحاج – بوابة اللاجئين الفلسطينيين
في السادسة والعشرين من عمرها، كانت اللاجئة الفلسطينية مريم أبو العينين تعمل وتساهم في إعالة عائلتها، قبل أن يقلب المرض حياتها رأساً على عقب، ويترك أسرتها تعتمد على معيل واحد في مواجهة ارتفاع أسعار الغذاء والملابس والاحتياجات الأساسية.
شُخصت مريم، المقيمة في مدينة صور جنوبي لبنان، بمرض الذئبة الحمامية الحمراء، وهو مرض مناعي مزمن تسببت مضاعفاته بوصولها إلى مرحلة متقدمة من الفشل الكلوي، وتقول مريم لبوابة اللاجئين الفلسطينيين: “صار لي نحو ثلاث سنوات أغسل كلى، ولا أعرف إلى متى.”
وتختصر حالتها جانباً من معاناة مرضى غسيل الكلى الفلسطينيين في لبنان؛ فالعلاج الذي لا يحتمل التأجيل متوافر مجاناً في مراكز محدودة تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، لكن الوصول إليه يحتاج إلى كلفة مواصلات مرتفعة، فيما تبقى الأدوية والفحوصات والحقن والمستلزمات الإضافية على عاتق المرضى وعائلاتهم في معظم الأحيان.
ويقدم قسم غسيل الكلى في مستشفى الهمشري بمدينة صيدا نحو 1200 جلسة شهرياً لـ120 مريضاً فلسطينياً قادمين من بيروت وصيدا وصور ووادي الزينة. كما يدير الهلال الأحمر الفلسطيني مركزاً آخر في طرابلس يخدم نحو 60 مريضاً.
ثلاث جلسات لا يمكن تأجيلها
تحتاج مريم إلى ثلاث جلسات غسيل أسبوعياً، وتؤكد أن تأخير أي جلسة يؤدي إلى تراكم السموم في جسدها وتفاقم معاناتها الناتجة عن مرض الذئبة.
وهي زوجة وأم لطفل، لكنها تجد في أوقات كثيرة صعوبة في إنجاز الأعمال المنزلية، من الطبخ والتنظيف إلى رعاية طفلها، بسبب الإرهاق والمضاعفات الصحية المصاحبة للمرض.
ولا تبدأ معاناتها داخل المستشفى، بل منذ لحظة التفكير في كيفية الوصول إليه من صور إلى صيدا، في ظل كلفة النقل والظروف الأمنية والأزمات التي يمر بها لبنان. وتقول مريم: “أحياناً أذهب بواسطة الفان، وفي أيام أخرى أضطر إلى استئجار سيارة بكلفة تصل إلى 100 دولار أسبوعياً.”
“أونروا” ساعدت مريم في تأمين عملية إنشاء الناسور الشرياني الضروري لجلسات الغسيل، لكنها اضطرت إلى دفع بقية التكاليف من مالها الخاص. وتقول إن الوكالة لا تؤمن لها الأدوية، باستثناء أدوية ضغط الدم التي لا تكون متوافرة بصورة دائمة، ولكنها تؤكد أن نفقات مريض الكلى لا تتوقف عند الجلسات، بل تشمل الفحوصات والأدوية والحقن والتنقل، حتى باتت تشعر بأن المرض “يأخذ منها كل ما تملك.
مئة دولار لدواء واحد
وترى مريم أن المرضى المقيمين خارج المخيمات لا يحظون بالاهتمام الكافي، مشيرة إلى أن “أونروا” لا توفر لها دواءً خافضاً لمستوى الفوسفور يبلغ سعره نحو 100 دولار.
وتساعدها مؤسسة “أنيرا” بين فترة وأخرى بتأمين حقن علاج فقر الدم، التي تبلغ كلفة الواحدة منها 12.5 دولاراً، ما يخفف عنها جزءاً من نفقات العلاج
وتدعو مريم الجمعيات إلى إعطاء الأدوية أولوية في برامجها، بدلاً من حصر المساعدات في توزيع المواد الغذائية، موضحة أن مريض غسيل الكلى يحتاج إلى علاج دوائي مستمر لا يستطيع تأجيله.
كما وجهت رسالة إلى الجهات المعنية بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان والشتات، دعتها فيها إلى الحضور ميدانياً والاستماع إلى مشكلات الناس، وخصوصاً المرضى الذين يواجهون تبعات الحرب والأزمات الاقتصادية.
قسم واحد يخدم بيروت وصيدا وصور
ورغم انتقادها واقع التغطية، تشكر مريم طاقم التمريض العامل في قسم غسيل الكلى بصيدا على ما يبذله من جهد، لكنها ترى أن عدد العاملين لا يتناسب مع حجم الضغط.
وتقول إن قسماً واحداً يخدم المرضى القادمين من بيروت وصيدا وصور، فيما يستقبل في اليوم الواحد نحو 20 مريضاً. وفي بعض الأيام، لا يحصل المريض على الوقت الكافي للغسيل بسبب كثرة الحالات ومحدودية الكادر.
وتطالب بزيادة عدد الممرضين، موضحة أن وجود عامل نظافة واحد لا يكفي لإنجاز جميع المهام، كما أن الكادر قد يعجز عن التدخل بالسرعة المطلوبة إذا تعرض أكثر من مريض لمشكلة في الوقت نفسه.
وتلفت إلى أن مستلزمات الجلسات ليست دائماً بالمستوى الذي يحتاج إليه المرضى، مشيرة إلى تعيين طبيب واحد مختص بغسيل الكلى خلال الفترة الأخيرة، وهو عدد لا يكفي، بحسب تقديرها، للتعامل مع جميع الحالات.
وتقول إن “أونروا” مسؤولة عن اللاجئين الفلسطينيين، وإذا لم تستطع تغطية احتياجات مرضى الكلى، فعليها التعاون مع الجمعيات والجهات الأخرى لمساعدتهم. وتضيف: “حياة المريض لا تحتمل التقاعس، ودعمه يجب أن يكون أولوية، لأن الإنسان عندما يفقد صحته يفقد معها القدرة على تأمين أبسط احتياجاته.”
23 عاماً من غسيل الكلى
أما اللاجئ الفلسطيني محمد زعرورة، من مخيم برج البراجنة في بيروت، فبدأ رحلته مع غسيل الكلى في تشرين الأول/أكتوبر 2003، ولا يزال يحتاج بعد 23 عاماً إلى ثلاث جلسات أسبوعية.
ويشرح زعرورة لبوابة اللاجئين الفلسطينيين، أن تفويت جلسة واحدة قد يشكل خطراً مباشراً على حياة المريض، تبعاً لوضعه الصحي ومدى التزامه بالحمية. كما أن الإفراط في شرب السوائل قد يؤدي إلى تدهور حاد ونقل المريض إلى المستشفى في حالة حرجة، وقد ينتهي الأمر بفقدانه حياته.
ولا تنحصر مشكلة زعرورة في انتظام الجلسات؛ إذ يواجه صعوبة في شراء الأدوية مع ارتفاع أسعارها وعدم قدرته على تحمل الأعباء منفرداً.
وتبلغ كلفة انتقاله إلى قسم غسيل الكلى في صيدا نحو 15 دولاراً في اليوم الواحد، نتيجة عدم وجود أقسام قريبة في بيروت وصور، ما يضيف مشقة الطريق إلى أعباء المرض.
ويقدّر مجموع نفقاته الشهرية على المواصلات وأدوية الغسيل بنحو 300 دولار، من دون احتساب الأدوية الإضافية التي قد يحتاج إليها بعض المرضى، ويقول: “لا أستطيع تحمل هذا المصروف وحدي، وأعتمد على مساعدات أهل الخير.”
ويضطر زعرورة أحياناً إلى إجراء جلسات على نفقته الخاصة بسبب الضغط الكبير على مستشفى الهمشري. ويطالب “أونروا” بتأمين الأدوية، والمساهمة في تكاليف العلاج والمواصلات، إلى جانب افتتاح أقسام لغسيل الكلى في بيروت وصور لتقريب الخدمة من المرضى وتخفيف الضغط عن مركز صيدا.
وانعكس المرض أيضاً على قدرته على العمل، إذ يقول: “لا أحد يقبل توظيفي لأنني مريض غسيل كلى، وأحتاج إلى المغادرة ثلاث مرات كل أسبوع.”
من البقاع إلى صيدا.. الطريق أغلى من قدرة المرضى
تبدو المعاناة أكثر تعقيداً لدى المرضى المقيمين في البقاع، حيث لا يمكن الوصول إلى مستشفى الهمشري في صيدا ثلاث مرات أسبوعياً بسهولة.
وتقول اللاجئة الفلسطينية “م. ش” إنها لم تستطع الانتظام في الذهاب إلى صيدا، واضطرت إلى إجراء جلساتها في مستشفى العبدالله في رياق أو مستشفى دار الأمل الجامعي على نفقتها الخاصة.
وتصل كلفة استئجار سيارة أجرة من البقاع إلى صيدا إلى نحو 150 دولاراً، ما يجعل المسافة عبئاً مالياً وجسدياً إضافياً عليها.
وتقول إن “أونروا” لا تقدم لها مساعدة، ولو لتغطية جزء محدود من الأدوية أو العلاج، ولذلك تبقى في انتظار مساهمات أهل الخير لتأمين جلساتها.
وتؤكد أن تفويت أي جلسة ينعكس مباشرة على وضعها الصحي، وأن الانتظام في الغسيل ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها، مطالبة الوكالة والجمعيات بالالتفات إلى مرضى الكلى في منطقة البقاع التي تصفها بالمهمشة.
1200 جلسة شهرياً
مدير قسم الكلى في مستشفى الهمشري، الدكتور فادي سلامة، يقول لموقعنا، إن القسم يعالج 120 مريضاً فلسطينياً من بيروت وصيدا وصور ووادي الزينة، ويقدم لهم نحو 1200 جلسة شهرياً.
ويحتاج المريض، بحسب سلامة، إلى جلستين أو ثلاث أسبوعياً وفق حالته الصحية ومدى كفاءة الكليتين، فيما يعاني عدد كبير من المرضى أمراضاً مزمنة أخرى، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، ترافق الفشل الكلوي وتزيد تعقيد العلاج.
ويضم المركز نحو 20 جهازاً لغسيل الكلى، ويعد، وفق سلامة، الأكبر من نوعه في لبنان. كما يوجد مركز آخر للهلال الأحمر الفلسطيني في طرابلس يقدم الخدمة لنحو 60 مريضاً.
ويؤكد أن الهلال الأحمر الفلسطيني هو الجهة الوحيدة التي توفر غسيل الكلى مجاناً للمرضى الفلسطينيين في لبنان، بينما تتراوح كلفة الجلسة الواحدة خارج مراكزه بين 120 و200 دولار.
ويوضح أن مستشفى الهمشري يقدم هذه الخدمة للفلسطينيين فقط، في حين تغطي وزارة الصحة اللبنانية علاج المرضى اللبنانيين، وتتولى الأمم المتحدة تغطية المرضى السوريين.
الهلال الأحمر يتحمل 30 ألف دولار شهرياً
بحسب سلامة، لا تغطي “أونروا” كلفة غسيل الكلى للاجئين الفلسطينيين ولا تقدم مساعدة في هذا المجال، فيما تساهم مؤسسة “التعاون” بجزء من مستلزمات الجلسات، مثل الفلاتر والمحاليل.
أما بقية الاحتياجات، ومنها الشاش والإبر والأمصال، فيتحمل الهلال الأحمر الفلسطيني كلفتها، وهو ما يشكل عبئاً مالياً كبيراً، ولا سيما أن الخدمة تقدم للمرضى مجاناً.
وتصل الكلفة الشهرية لغسيل مرضى الكلى في المركز إلى نحو 30 ألف دولار، يتحملها الهلال الأحمر الفلسطيني.
ويحتاج بعض المرضى أيضاً إلى حقن “EPO“ المستخدمة لعلاج فقر الدم المصاحب للفشل الكلوي، ولا تتوافر هذه الحقن بصورة ثابتة، بل يجري تأمينها عبر داعمين ولفترات محدودة.
وخلال الفترة الماضية، ساهمت مؤسسة “أنيرا” في توفير بعض الأدوية، وخصوصاً الحقن، لمدة شهرين، قبل أن يتبرع رجل أعمال فلسطيني بتغطيتها لمدة شهرين إضافيين.
ويحذر سلامة من أن توقف قسم غسيل الكلى، ولو لفترة قصيرة، قد يعرض حياة المرضى للخطر، مؤكداً أن القسم حافظ على عمله حتى خلال الحرب، ويقول: “حتى في فترة الحرب لم نتوقف يوماً واحداً”، موضحاً أن بعض المرضى القادمين من صور اضطروا إلى السكن بالقرب من المستشفى لضمان الوصول إلى جلساتهم في مواعيدها.
ويدعو سلامة “أونروا” إلى إعادة النظر في طريقة تعاملها مع مرضى غسيل الكلى، والمساهمة ولو بجزء من كلفة الجلسات. ويشير إلى أن عدم تغطية الوكالة لهذه التكاليف ليس جديداً، بل يعود إلى 34 عاماً، منذ بداية عمله في الهلال الأحمر الفلسطيني.
وبين جلسات لا تقبل التأجيل، وأدوية لا تتوافر بصورة منتظمة، ومواصلات قد تكلف المريض مئات الدولارات شهرياً، يتحول العلاج إلى معركة يومية يخوضها المريض وعائلته.