حسين محمد عابد
بعد كل حرب في لبنان، يعود السؤال نفسه إلى البيوت والشاشات: ماذا جنينا من هذا الدم؟ يسأله من فقد ابنه، ومن ينتظر العودة إلى منزله، ومن أكلت الحرب عمره ومُدّخراته. لهؤلاء حقّ السؤال، ولوجعهم حرمة تفرض على الكلام السياسي أن يتواضع. كلّ شهيد إنسان له وجه وحكاية وأناس ينتظرونه. وكل بيت مُهدّم حياة انقطعت في منتصفها. ومن يكتب عن المقاومة من داخل الإيمان بها، يحمل مسؤولية الإصغاء إلى هذا الوجع، ويعرف أن الدفاع عن مشروعها يبدأ من الوفاء للناس الذين حملوه.
حين يدخل السؤال إلى السجال السياسي، تتحدّد الإجابة أحياناً قبل البحث: هذه خسائر المقاومة، وهذه حصيلة خيارها. تُجمع صور الدمار وأعداد الضحايا في ملف اتهام، ويُقدَّم التخلّي عن المقاومة بوصفه الطريق الذي كان سيحفظ الجميع. هنا تقع المشكلة التي تستحقّ النقاش. فالخيار الذي حدث يُحاكم بكل نتائجه، والخيار المقابل ينال البراءة من دون امتحان. يُطلب من المقاومة كشف حساب، فيما تمرّ كلفة الاستسلام خارج الميزان.
الاستسلام قرار سياسي له نتائج، وله زمن تتكشّف فيه هذه النتائج. قد ينتهي القصف في لحظة، ويبقى المجتمع عرضة لفرض الشروط عليه، وتقييد حركته، والتحكّم بأرضه وموارده. وقد يصبح الهدوء اسماً لحياة مُعلّقة على رضى القوة التي تستطيع خرقه متى تشاء. لذلك يحتاج الوعد بالأمان إلى إجابة واضحة: ما الذي سيمنع المعتدي من العودة؟ وما الضمان الذي يحمي أصحاب الأرض حين يفقدون قدرتهم على الرفض؟ ومن يتحمّل كلفة ابتزازهم بعد ذلك؟
يختزن الجنوب اللبناني خبرة تساعد على فهم هذه الأسئلة. صدر القرار 425 عام 1978، وتحقّق الانسحاب الإسرائيلي الذي أكّدته الأمم المتحدة عام 2000. بين التاريخين عاش الناس سنوات الاحتلال، ونشأت مقاومة واجهته وتحمّلت أثمان مواجهته. تكشف هذه المسافة الزمنية حدود التعويل على وجود قرار دولي وحده لحماية الأرض. وفي قراءة تجربة التحرير، تحتلّ المقاومة موقعاً أساسياً إلى جانب الظروف السياسية والعسكرية التي أحاطت بالانسحاب. كان الاحتلال واقعاً يحتاج إلى تغيير، وكان انتظار تغيّره يحمل كلفته اليومية أيضاً.
الزمن جزء من الحساب الأخلاقي. خسارة المنزل تقع في يوم، ثم تمتدّ آثارها سنوات. وفقدان السيادة قد يبدأ بتنازل يبدو محدوداً، ثم تتراكم شروطه حتى يصير استرداد القرار أشدّ صعوبة. المُقارنة الجادّة تحتاج إلى رؤية هذا الامتداد. كم يبلغ ثمن الأرض حين تصبح العودة إليها خاضعة لإذن المحتل؟ وكيف تُقدَّر حياة طفل ينشأ تحت تهديد دائم؟ وأين تُدرج كلفة مجتمع يتعلّم أن سلامته مشروطة بقبول ما يُفرض عليه؟ هذه أسئلة عن مصالح الناس الفعلية، وعن معنى الأمن الذي يستحقونه.
ثمّة مسألة أخرى في تحميل المسؤولية عن الدم. أن يكون فعلٌ جزءاً من تسلسل الأحداث يختلف عن أن يكون صاحبه مسؤولاً عن كل ما فعله الآخرون بعده. حين يهدّد معتدٍ جماعة بالعقاب إن رفضت مطالبه، يبقى قرار تنفيذ التهديد قراره. نسبة الجريمة إلى الضحية التي رفضت الخضوع تمنح التهديد سلطة أخلاقية: كلّما اتّسعت قدرة المعتدي على الإيذاء، اتّسع حقّه المُفترض في الطاعة. وبذلك يصبح العنف وسيلة لإنتاج الشرعية، وتُطالب المجتمعات المُهدَّدة بتسليم حقوقها كي تُثبِت حرصها على الحياة.
لهذا يبدأ الكلام على المسؤولية بتسمية الفاعل الذي قتل ودمّر، وفحص قراراته وغاياته. لكل جهة مسؤولية عن أفعالها، وتقدير تلك المسؤوليات يحتاج إلى وقائع محدّدة. أمّا ترحيل مسؤولية القصف إلى من يقاوم، لمجرّد أن المعتدي أعلن مُسبقاً استعداده للقصف، فيجعل تهديده مرجعاً للحكم على الآخرين. عندئذٍ يحصل الأقوى على امتياز خطير: يحدّد ما يجوز لضحاياه فعله، ثم يحمّلهم وزر العقاب الذي ينفّذه بحقّهم.
في أصل الموقف من المقاومة سؤال أخلاقي يتجاوز الحساب العسكري: هل يظلّ الحقّ حقّاً حين يصبح الدفاع عنه مُكلِفاً؟ من يجعل قلة الخسائر معياراً وحيداً، يربط إمكان ممارسة الحقّ بقبول المعتدي. فالحقوق التي يسمح بها تمرّ، والحقوق التي يعاقب أصحابها تُعلّق. بهذا المنطق تصبح العدالة تابعة لموازين القوة. والإيمان بحقانية المقاومة ينطلق من رفض هذه التبعية، ومن اعتبار حرية الإنسان وأرضه وكرامته أموراً تستحق الدفاع، وتدخل في معنى الحياة التي نريد حمايتها.
هذا الإيمان يضع على عاتق مشروع المقاومة واجباً متصلاً بتقليل الأذى وصون الناس. قيمة الدم تقتضي حسن التقدير، والإعداد، والرعاية، ومراكمة الخبرة. والجمهور الذي يتحمّل الأثمان يحتاج إلى حضور سياسي واجتماعي يوازي حضوره في أيام المواجهة. الجريح يحتاج إلى العلاج، والعائلة إلى السند، والنازح إلى شروط عودة كريمة. تتحقّق أخلاق المقاومة في هذه التفاصيل أيضاً، ويجد الانتماء إليها معناه حين يشعر الإنسان أن المشروع الذي حمله يحمل مسؤوليته تجاهه.
وفي النظر الفقهي، يستحقّ مفهوم حفظ النفس قراءة تأخذ طبيعة الخطر في الحسبان. حفظها من أذى حاضر مقصد عظيم، وحمايتها من إخضاع ممتدّ ومن خطر يتكرّر يدخل في السؤال نفسه. تحديد الموقف يحتاج إلى فهم الواقع، ومعرفة القدرة، وتقدير البدائل ونتائجها. وحين تتزاحم واجبات ومصالح، تصبح معرفة الأهمّ عملاً يحتاج إلى حجّة وخبرة. وتطبيق هذا المنهج على مواجهة بعينها يقتضي إثبات شروطه في تلك المواجهة، بعيداً عن إطلاق أحكام عامة من مشهد الخسائر وحده.
لذلك يستحقّ من يدعو الناس إلى التخلّي عن قدرتهم الدفاعية أن يُسأل عن مشروعه لحمايتهم. ما أدواته؟ وما خبرة الضمانات التي يستند إليها؟ وكيف يتصرّف إذا نُقضت؟ يتناول السؤال قدرة هذا الطرح على حفظ الحياة التي يعد بها. فالخيار السياسي الذي يطلب من مجتمع تغيير شروط أمنه يحمل عبء تقديم الأدلة، شأنه شأن كل خيار تتعلّق به مصائر الناس. ومن الإنصاف إخضاع وعود التسوية والهدوء لهذا الامتحان، وإدخال الفشل المحتمل لهذه الوعود في الحساب.
ومن موقعي المؤمن بالمقاومة، أرى أن كلفة الاستسلام تمتدّ إلى القدرة على منع الأثمان المقبلة. المجتمع الذي يحتفظ بإمكان الدفاع يبقى قادراً على التأثير في شروط الصراع. وحين يفقد هذه القدرة، يضيق هامش قراره، وتتّسع مساحة ما يستطيع الآخر فرضه عليه. هنا تتكوّن الحجة الأعمق للمقاومة: حماية إمكان العيش بحرية، وحفظ قدرة الناس على تقرير مستقبلهم. تقدير هذه الحجة يحتاج إلى متابعة ميزان القوة والوقائع، وإلى قياس ما تحقّقه وسائل الدفاع في حماية الحقوق والأمن عبر الزمن.
يبقى الدم في قلب هذا النقاش. وفاؤنا له يفرض تسمية المسؤول عن سفكه، والاعتناء بمن بقي يحمل آثاره، والدفاع عن حقّ الناس في أرضهم وحياتهم. وقد دفع أهل هذه البلاد ثمناً يعرفونه في أجسادهم وبيوتهم وذاكرتهم. حين يسألون عن جدوى التضحيات، يستحقّون كلاماً واضحاً عن العالم الذي نريد لهم ولأبنائهم أن يعيشوا فيه. وعند حساب كلفة المقاومة، يجب أن يحضر هذا العالم أيضاً: مقدار الحرية فيه، وشروط أمنه، وقدرته على رفض العدوان. عندها يأخذ الحساب مداه، وتظهر كلفة الاستسلام التي حُذفت طويلاً من السؤال.
* كاتب لبناني