آخر الأخبار

التنظيم-المشروع-الدولة: ثلاثية أزمة «الإخوان المسلمين»

5525cb5f-b320-4f0f-9068-6647b31b7629

معين الرفاعي

لم تعد أزمة «الإخوان المسلمين» مجرد خلاف على منصب المرشد أو صراع بين جيلين داخل التنظيم؛ فقد تحوّلت الأزمة إلى سؤال وجودي يتعلق بمستقبل التنظيم نفسه: هل لا تزال الجماعة قادرة على العمل كتنظيم واحد، أم أن سنوات الصراع أفرزت كيانات متعددة تتشارك الاسم والتاريخ بينما تختلف في القيادة والرؤية ومصادر النفوذ؟
تكشف هذه الأزمة عن ثلاثية بنيوية تتفاعل فيها شرعية التاريخ ومتطلبات المشروع وقواعد التنظيم، تتجلّى بوضوح في تجارب تونس ومصر وسوريا ولبنان، حيث يواجه كل فرع المعضلة ذاتها بصيغة مختلفة.
بدأت حركة النهضة التونسية، وهي النموذج الأكثر تنظيماً في التجربة الإخوانية، بمسار واعد بعد 2011.

انتقلت من المعارضة والمنفى إلى المشاركة في الحكم، وطوّرت خطاباً سياسياً أقرب إلى ديمقراطية إسلامية. لكن المسار انكسر في تموز 2021، حين جمّد الرئيس قيس سعيّد البرلمان وأقال الحكومة التي كانت النهضة تهيمن عليها، فدخلت الحركة نفقاً مظلماً من تراجع الشعبية والعزلة السياسية. لاحقاً، تفاقمت الأزمة بعد إصدار أحكام قضائية مشدّدة بحق رئيسها راشد الغنوشي، فتراكم فراغ قيادي غير مسبوق، مع تصاعد الدعوات لحظر الحركة. وهنا، لا بدّ من التنبيه، ولو بغصّة، إلى أن القمع لم يكن وحده سبب الانهيار؛ فقد أدّت خيارات القيادة في إدارة التوافقات السياسية إلى استنزاف الرصيد الشعبي. وحين احتاجت الحركة إلى حاضنتها الاجتماعية وجدت أن تلك الحاضنة تراجعت، ولم تكن حاضرة.

وفي مصر، اتخذت الأزمة مساراً أكثر حدّة. وصل محمد مرسي إلى الرئاسة عبر انتخابات تنافسية عام 2012، في وقت لم تكن مؤسسات الدولة فيه، ولا سيما الجيش والقوى المسلحة، خاضعة للرئيس المنتخب. فقد احتفظت المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية بقدرات واسعة، بل وزادت من نفوذها في عهد مرسي نفسه رغم قصر مدته الرئاسية، بينما كانت قواعد الانتقال السياسي موضع نزاع. فشلت القيادة في توسيع قاعدة التوافق الوطني، وتعمّق الاستقطاب حول الإعلان الدستوري ومسار صياغة الدستور. في المحصّلة، انتهت التجربة بانقلاب يوليو 2013، ثم تعرّضت الجماعة لحملة قمع واسعة أدّت إلى تفكك بنيتها التنظيمية داخل مصر. واليوم، تعيش الجماعة أزمة وجودية تتداخل فيها عوامل التفكك الداخلي وتراجع الحاضنة الشعبية والضغوط الأمنية؛ بينما يفقد التنظيم قدرته على العمل السياسي الفعلي داخل مصر، ويلجأ إلى الفضاء الإلكتروني والإعلام الخارجي كبديل عن الحضور الميداني.

وفي سوريا، أنتج المنفى الطويل فجوة بين القيادة والكادر والمجتمع. خرجت غالبية القيادات من البلاد على مدى عقود، وضعف حضورها التنظيمي المباشر داخل المجتمع السوري. بعد سقوط نظام بشار الأسد في كانون الثاني 2024، وجدت الجماعة نفسها أمام أسئلة وجودية حول مستقبلها. كما أثار بيان مجلس شورى الجماعة في أيلول 2026 ردود فعل متباينة؛ إذ رأى بعض المراقبين أن تمسّك الجماعة بصيغتها الحالية ليس مجدياً بعد كل هذه التغيرات، ورأى آخرون أن بقاءها في المشهد السياسي وليد شعور بالغبن والتهميش. وعلى ما تبدو عليه الأمور، تتجه العلاقة بين السلطة السورية والجماعة نحو اختبار مبكّر، وسط معلومات عن رفض الجماعة حلّ نفسها وإبعاد كوادرها من مواقع حساسة. تكمن المعضلة لدى «الإخوان» في سوريا في أن تنظيماً تشكّلت قيادته عبر عقود من المنفى والمعارضة لا يستطيع بالضرورة الاستمرار بالآليات ذاتها بعد تغيّر النظام السياسي.

وفي لبنان، تواجه «الجماعة الإسلامية» معضلة مختلفة، حيث تعمل ضمن نظام طائفي مُعقّد، وتواجه صعوبة في تحويل حضورها الاجتماعي والدعوي إلى مكاسب سياسية ملموسة. فرضت الولايات المتحدة تصنيفها كمنظمة إرهابية أجنبية في كانون الثاني 2026، مع عقوبات على أمينها العام محمد طقوش، الأمر الذي فاقم من حالة الإرباك الداخلي وقلّص هامش المناورة. تعاني «الجماعة» في لبنان من معضلتها الخاصة؛ فهي تشارك في جبهة إسناد غزة عبر «قوّات الفجر»، لكنها تبقى أمام تحديات التوفيق بين هويتها الإسلامية والعمل ضمن دولة متعددة الطوائف، مع ضغوط إقليمية ودولية تزيد من تعقيد خياراتها. سعت «الجماعة» إلى إعادة ترتيب تحالفاتها الداخلية؛ غير أن التكيّف مع التحولات الإقليمية يحتاج إلى مراجعة داخلية حقيقية تُعيد الانسجام مع الثوابت، لا إلى مجرد تغيير في التحالفات تحت الضغط الشارع والضغط الإعلامي والسياسي.

يتطلّب التحوّل مراجعة فكرية شاملة تحدّد ما هو ثابت في المرجعية وما هو اجتهاد سياسي قابل للتغيير؛ كما يتطلب إصلاحاً في بنية التنظيم يضمن تداول القيادة وتوزيع الصلاحيات، وبناء استقلال استراتيجي عن الخارج يمنع تحوّل العلاقات الإقليمية إلى مصدر تبعية

تكشف هذه التجارب عن نمط متكرر يشير إلى أن الحركة التي تنجح في بناء شبكات اجتماعية وتنظيمية واسعة، قد تفشل في بناء ضمانات مؤسسية تحمي مشاركتها السياسية، أو في تحويل نجاحها التنظيمي إلى مشروع وطني يحظى بثقة شرائح اجتماعية واسعة. أبرزت التجارب العديدة التي خاضتها جماعة «الإخوان المسلمين» عبر تاريخها الطويل والغني أنه عندما تتغير المصالح الإقليمية أو تتغير موازين القوى الداخلية، تتحول العلاقة مع الأنظمة، في كثير من الأحيان، من تسامح أو تحالف مؤقت إلى تنافس أو إقصاء أو حظر. في هذا الإطار، تتحمّل القيادة التاريخية مسؤولية سياسية وتنظيمية بقدر مشاركتها في صنع القرارات، أو احتكارها لسلطة اتخاذها، أو تعطيلها لآليات المحاسبة والمراجعة. وهنا، لا بدّ من القول إن مسألة تداول القيادة والمحاسبة الداخلية تظلّ واحداً من أكثر الملفات إلحاحاً؛ إذ يبقى السؤال: هل يمكن لتنظيم يعاني من انقسامات حادة أن يجد آليات جديدة لانتقال القيادة وتوزيع الصلاحيات؟

في مقابل هذا المشهد، تقدّم حركة حماس نموذجاً مختلفاً يستحق التحليل. انبثقت «حماس» من رحم جماعة «الإخوان المسلمين» في فلسطين، وارتكزت مرجعيتها الفكرية على المدرسة الإخوانية. لكنها تطوّرت في سياق مختلف تماماً. التزمت «حماس» بقضية فلسطين بصفتها قضية مركزية للأمة العربية والإسلامية، وهناك إجماع شعبي وسياسي واسع عليها. يشكّل هذا الالتزام الأساس الثابت الذي أقامت عليه «حماس» تحالفاتها الإقليمية. كما شكّل حاجزاً حصيناً حال بينها وبين الغرق في صراعات جانبية، ووجّه طاقتها نحو هدف واحد مركزي، بدلاً من الاستنزاف في خلافات عقائدية أو تنظيمية مع فروع أخرى؛ هذا دون إنكار حدوث بعض الثغرات هنا أو هناك.

لكنّ ثمة عاملاً آخر لعب دوراً مهماً لا يمكن تغافله يتعلق ببنية «حماس» التنظيمية. فقد حافظت الحركة على نظام انتخابي داخلي دوري، يجري كل أربع سنوات. ورغم الضربات العسكرية غير المسبوقة التي تعرضت لها خلال حرب غزة، واغتيال عدد من أبرز قادتها السياسيين والعسكريين، أجرت الحركة انتخاباتها الداخلية في أيار 2026 لاختيار رئيس جديد للمكتب السياسي خلفاً للشهيد يحيى السنوار. لم تحسم الجولة الأولى النتيجة، فأُجريت جولة ثانية وفق اللوائح الداخلية، وهو ما يعكس استمرار عمل مؤسسات الحركة بعيداً عن منطق التعيين أو القرارات الاستثنائية، واستمرار العمل بنظام الشورى وعدم الاستئثار بالقرار، رغم ظروف الحرب. كما أجرت انتخابات سرية في قطاع غزة، في مؤشر على استمرار عمل أجزاء من الهيكل التنظيمي رغم الاستهداف الإسرائيلي المُمنهج.

يكمن الفارق الجوهري في أن «حماس» طوّرت نمطاً من التماسك البنيوي يقوم على فصل نسبي بين المستويات التنظيمية. بموجبه، يوزّع الهيكل التنظيمي للحركة عملياتها بين قطاع غزة والضفة الغربية وسجون الاحتلال والخارج، ويشرف المكتب السياسي على هذه القطاعات. يتيح هذا التوزيع للحركة قدرة على الاستمرار حتى عند استهداف جزء من بنيتها، لأن القيادة ليست مرهونة بشخص واحد أو موقع جغرافي واحد. وحين اختير خليل الحية رئيساً للمكتب السياسي، حمل ذلك رسالة بأن غزة لا تزال مركز الثقل القيادي رغم محاولات الاحتلال تفكيك بنيته السياسية والعسكرية.

ما سبق لا يعني أن «حماس» بلا تحديات. فالتنظيم يواجه ضغوطاً هائلة، وتحديات إعادة بناء التماسك الداخلي وإدارة انتقال قيادي في ظل حرب مستمرة. غير أن ما يميّز «حماس» هو قدرتها على الحفاظ على استقلال قرارها نسبياً. وظلّت علاقتها بـ«الإخوان المسلمين» رمزية ومرجعية أكثر منها تنظيمية مباشرة، خاصة بعد فوز السنوار حين انكفأت مفاعيل الجماعة الأم وتراجعت رعايتها المباشرة للتنظيم. سمح هذا الفصل النسبي لـ«حماس» بالتحرك وفق مصلحة القضية الفلسطينية، لا وفق حسابات تنظيمية إخوانية أو إقليمية ضيقة.
يقدّم هذا النموذج درساً مهماً. فالحركة الإسلامية التي تُعرِّف مشروعها بوضوح، وتبني بنيتها التنظيمية على أسس مؤسسية لا شخصية، وتضع قضيتها المركزية فوق أي حساب تنظيمي آخر، تمتلك قدرة أكبر على الصمود والتكيّف حتى في أقسى الظروف.

بناءً على ما تقدّم، ترتسم في أفق جماعة «الإخوان المسلمين» ثلاثة سيناريوات وفقاً لمنطلقات تحليلية:

(1) يتمثّل الأوّل في استمرار منطق التنظيم، حيث تواصل القيادة التاريخية المحافظة على البنية التنظيمية كما هي، فتبقى الحركة قادرة على البقاء لكنها عاجزة عن التجديد، وتتحول تدريجياً إلى حارس للذاكرة التنظيمية بدلاً من أن تكون فاعلاً في صناعة المستقبل.

(2) ويتمثّل الثاني في تجديد مشروط، حيث تنجح قيادة جديدة في فتح المجال للمراجعة والتجديد، لكنها تصطدم بمقاومة البنية التنظيمية التي تشكلت عبر عقود، فينشأ صراع بين شرعية التاريخ والحاجة إلى التجديد. يظل هذا السيناريو محتملاً لكنه هشّ، لأنه لا يضمن تحويل الخطاب إلى ممارسة فعلية.

(3) ويتمثّل الثالث، وهو الأصعب والأكثر ضرورة، في تحول بنيوي تنتقل فيه الحركة من منطق التنظيم الذي يسعى إلى حماية وجوده وتوسعه، إلى منطق الحركة السياسية التي تقبل التعددية والمحاسبة وتداول القيادة، وتتعامل مع الدولة باعتبارها ملكاً لجميع مواطنيها. يتطلب هذا التحوّل مراجعة فكرية شاملة تحدّد ما هو ثابت في المرجعية وما هو اجتهاد سياسي قابل للتغيير؛ كما يتطلب إصلاحاً في بنية التنظيم يضمن تداول القيادة وتوزيع الصلاحيات، وبناء استقلال استراتيجي عن الخارج يمنع تحول العلاقات الإقليمية إلى مصدر تبعية.
قد تفسّر الشرعية التاريخية مكانة القيادة، لكنها لا تكفي وحدها لتبرير استمرارها. والتنظيم الذي يحمي وجوده على حساب مشروعه، يخسر الاثنين معاً في النهاية.

* سياسي وباحث فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة