آخر الأخبار

مشروع عدواني متكامل وردود فعل جزئية

eb89a901-6af6-4bc9-af00-93da697624a4-rtylmfjuom81zm81rgd1pwdjmaswdxp7ccg5tat8xc

سعد الله مزرعاني

تتبلور معالم المشروع الجاري تنفيذه في لبنان بشكل تدريجي، ولكن مثابر ومتكامل وشامل. أطراف هذا المشروع ثلاثة: أولهم، الإدارة الأميركية، وهي اللاعب الأبرز والأوحد على مستوى العالم، في المرحلة الحالية. اللاعب الثاني، هو قادة الكيان الصهيوني، ممثلين بائتلاف عنصري فاشي توسعي بقيادة نتنياهو. الثالث، هو السلطة التنفيذية اللبنانية ممثلة برئيسي الجمهورية والحكومة. تدور في فلك الطرفين الأول والثاني مجموعة من اللاعبين الإقليميين أبرزهم قيادة المملكة العربية السعودية.

هي عادت إلى الساحة اللبنانية بعد فشل وانكفاء وانفعال دام لسنوات، ونتيجة للتغيرات التي أحدثها العدوان الهمجي على لبنان، حيث لعبت دوراً بارزاً في دعم القرار الأميركي بإيصال الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام إلى الحكم. تجدّد نشاطُ الرياض في سوريا أيضاً، بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد. في دمشق، كما في بيروت، يتركز جهد مملكة «الخير» ونشاطها على المساهمة في تقويض ما تبقى من «محور الممانعة» عبر توجهات ثأرية انتقامية ومشوبة بالتبعية لواشنطن. هذا بالإضافة إلى استئناف حربها في اليمن، بعدما ظنّت خطأ، أن الظرف بات مناسباً (بعد العدوان الإسرائيلي/ الأميركي الثاني على إيران في أواخر شباط الماضي) لتصفية «أنصار الله» في صنعاء وسواها.

تقود واشنطن هذا الفريق بشكل شامل ومباشر: كطرف دائماً، وكـ «وسيط» عندما تتطلب مصالحها ومصالح الكيان الصهيوني ذلك! واشنطن حاضرة بقوة الآن في لبنان. هي لعبت دوراً حاسماً في إدارة حرب إسرائيلية، على المقاومة وعلى لبنان، من طرف واحد. مكنها ذلك، عبر تدخل فظ وسافر، من فرض العماد جوزيف عون رئيساً للجمهورية والقاضي نواف سلام رئيساً لحكومة مطواعة يتمثل فيها المعارضون بشكل رمزي بعد إقصاء طرف وازن هو «التيار الوطني الحر».

تمكنت واشنطن من فرض «اتفاق إطار» أطاح مجاناً حالة العداء الرسمية بين لبنان والعدو الصهيوني. ذلك الاتفاق كرّس وأبرز، في بيان رسمي للراعي الأميركي، استهداف أطرافه (واشنطن وتل أبيب وبيروت) للمقاومة بوصفها «عدواً مشتركاً» ينبغي نزع سلاحه من أجل «إنهاء العداء» (على ما كرر الرئيس عون) بين الدولة العبرية ولبنان: قبل وقف العدوان وقبل الانسحاب الذي لم يرد ذكره في اتفاق جرى تهريبه بعيداً من المؤسسات المعنية!

السلطة اللبنانية التنفيذية وفريقها السياسي والإداري، ينشطان في تغطية العدوان وفي حصار المقاومة (وفق خطة أميركية) على المستويات كافة وصولاً إلى تصنيفها (في الثاني من آذار الماضي) «خارجة على القانون». العدو الإسرائيلي، من جهته، مطلق اليدين في استئناف عدوانه بعد «اتفاق الإطار» وقبله. هو الذراع العسكرية الإرهابية التدميرية الإبادية التي تواصل التهديد بالمزيد من ذلك (نموذج غزة) برعاية من واشنطن وتواطؤ من سلطة الإذعان والارتهان وسوء الرهان في بيروت.

في مجرى ذلك يتبلور، كما أشرنا آنفاً، مشروع خطير تتراصف وتتكامل فيه أهداف كل من واشنطن وتل أبيب وبيروت الرسمية. واشنطن، لفرض وإدامة وصاية كاملة على لبنان في نطاق مشروع هيمنة على كامل الشرق الأوسط. إسرائيل، لتحويل لبنان إلى محمية أمنية وسياسية تشكل حلقة مهمة في «إسرائيل الكبرى». السلطة اللبنانية الراهنة، لإحداث انقلاب على مستوى التوازنات الداخلية، بما يسقط، رسمياً «إصلاحات الطائف» ويلغي، أيضاً، التوازن الذي أرساه ذلك الاتفاق، كـ «مرحلة انتقالية» في مسار دستوري لتحرير مواقع القرار والاختيار من القيد الطائفي إلى حد مقبول.

يغذي ممارسةَ واشنطن وتل أبيب دافعٌ قوي للانتقام من لبنان ومقاومته وشعبه (خصوصاً بسبب هزائمهما في لبنان). يغذي الطرفَ اللبناني، سلطة، وأحزاباً (ذات تاريخ حافل بالاستقواء بالعدو الصهيوني)، جشعٌ فئوي لاستعادة امتيازات تجد في الرهان على دوري واشنطن وتل أبيب رافعة راهنة، على غرار ما شكله الدور الفرنسي في مرحلة الانتداب: ابتداءً من «لبنان الكبير» عام 1920 إلى «الميثاق الطائفي» عام 1943.
ماذا على الضفة الأخرى؟ لا نقع هنا، للأسف، رغم ضخامة الخسائر والمخاطر، على ما يرقى إلى المستوى الذي يجعل الصراع متكافئاً، ولو في حدوده الدنيا. هذا يتفاقم، خصوصاً في المرحلة الراهنة، حيث يقتصر الحضور والفعالية على دور المقاومة التي تعرّصت ولا تزال لهجوم ضار بكل الأشكال: في الداخل وعلى الحدود. في السياق استُهدف المدنيون بحرب تدمير وتهجير وإبادة، عجزت، رغم ذلك، عن كسر المقاومة التي سطّرت بطولات خارقة خصوصاً في صيف عام 2024 و2025. لقد افتقر هذا الدور إلى حاضنة عامة لم يعوضها اتساع حاضنته المباشرة وصلابتها، خصوصاً بعد الحرب الهمجية التي استهدفتها ولا تزال.

حاضنة، ذات برنامج سياسي وطني شامل، وأولويات تحررية بشأن مستلزمات مواجهة المحتل وداعميه، وكذلك بشأن شروط تطور لبنان وتقدمه وتحرير نظامه السياسي من الطائفية والمحاصصة والفساد والتبعية… وما يمليه ذلك من قيام جبهة وطنية على هذه الأسس. سيكون من أولويات الجبهة المنشودة، أيضاً، مواجهة الدعاية الخبيثة التي تزعم، عبر إعلام مرتشٍ مأجور، أن لبنان وشعبه غير مستهدفين، بل فئة تعمل لخدمة طرف خارجي بالتعارض مع المصلحة الوطنية!

ليس من الصعب معاينة أضرار ذلك الخلل المتمادي كل يوم. تطالعنا هنا وهنالك، بشكل جزئي ومحدود الفعالية والتأثير، مواقف وممارسات تنظمها أطراف رفضت، حتى الآن، كل المحاولات التي بذلت لبناء صيغة كفاحية جبهوية موحّدة تكون بمستوى تحديات المرحلة ومخاطرها. تلك المخاطر داهمة، ويسببها طرفا المشروع المعادي، الأميركي والصهيوني، اللذان يحاولان، بمشاركة سلطة الوصاية، إشعال فتنة داخلية أو حرب أهلية في لبنان أيضاً، لتمكين الفريق الأميركي الصهيوني وأدواته من تحقيق كامل أهدافه الإجرامية ضد الشعب اللبناني وضد شعوب المنطقة.
ما هو المطلوب إذاً؟ إلى المقال القادم…
* كاتب وسياسي لبناني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة