منير شفيق
الحرب العالمية الأميركية- الإيرانية، جاءت، كما تسجّل الوقائع، تداعياً واستمراراً، للحرب البرّية التي تداعت من عملية «طوفان الأقصى»، وما تَشكّل من ردّة فعل الكيان الصهيوني، بقيادة نتنياهو، عليها؛ فهي الحرب نفسها التي انتقلت من غزة إلى لبنان فإيران.
هذا المسار، هو الذي اتخذته الحرب، التي تبعت ردّة فعل القيادة الصهيونية، ولا سيما من حيث تسلسل الأحداث، من غزة إلى لبنان. الأمر الذي أطلق نقاشاً، مال من قِبَل كثيرين إلى اعتبار تدخل حزب الله في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، بإعلان المشاركة، من خلال استراتيجية المساندة، هو الذي أدّى إلى انتقالها إلى لبنان، بإعلان الحرب الشاملة على حزب الله، في 23 و28 أيلول/سبتمبر 2024.
ثمة فارق نوعي، بين مرحلتين للحرب في لبنان: أي مرحلة الحرب ضمن استراتيجية المساندة التي أعلنها حزب الله وكيفية الردّ العسكري عليها من جانب الجيش الصهيوني، من جهة، والحرب شبه الشاملة التي اندلعت بعد تنفيذ الاختراق الإجرامي الغادر في أيلول/سبتمبر 2024، من جهة ثانية.
وبهذا تكون العلامة التي حدّدت هذا الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة الحرب شبه الشاملة، تتمثّل في الأحداث الممتدة من 17-18 أيلول/سبتمبر 2024، أي مرحلة تفجيرات البيجرات، إلى اغتيال الشهيد القائد الحاضر أبداً السيد حسن نصرالله، والشهيد القائد الفذّ السيد هاشم صفي الدين. وهذا التوقيت يحتاج إلى تفسير، لكونه تحدّد بعد تنفيذ الاختراقات.
فمن هنا، تتكشّف علاقة إعلان نتنياهو للحرب بالاختراق السابق للسابع من أكتوبر/تشرين الأول/أكتوبر 2023، لما له من أثر حاسم في الحرب بين الكيان الصهيوني وحزب الله. وذلك ابتداءً من استشهاد قيادة «الرضوان»، واستشهاد وتعطيل لأربعة آلاف من عناصر حزب الله، وتدمير المواقع السرّية، للشهيدين الكبيرين السيد نصرالله والسيد صفي الدين. فضلاً عن اختراقات خطيرة أخرى.
وبكلمة، يدلّ هذا الاختراق شبه الحاسم في شنّ الحرب الشاملة على حزب الله، على أن قيادة الكيان الصهيوني كانت تعدّ للحرب ضدّ حزب الله ولبنان، أكثر بكثير مما أعدّت لحربٍ ضدّ المقاومة في غزة، أو لحربٍ أخرى في أيّ موقع آخر. ويدلّ على أن الحرب، التي كان مُعداً لها على غزة، جاءت بمبادرة من «كتائب عز الدين القسّام». بل ويفسّر أيضاً لماذا قلّل نتنياهو من التحذيرات التي وصلته عن احتمال تحرك عسكري من جبهة غزة؛ لأن أولويته كانت مُركّزة أكثر على لبنان.
ومن هنا، يمكن القطع أن نتنياهو، وقيادة «الموساد» والجيش و«الشاباك»، كانوا يحضّرون للحرب ضدّ لبنان، من خلال المفاجأة، بما أعدّوه من اختراقات. ولهذا، فالعامل الذي كان سيجبرهم على خوض الحرب الشاملة، عدا قرارهم، ارتبط بمجرّد توفر معلومات، باحتمال اكتشاف حزب الله لاختراق البيجرات، أو اكتشاف مواقع تحصّن قادة المقاومة.
هذا يعني أن حرب غزة لو تأخرت أو استبعدت، لأي سبب من الأسباب، كانت الحرب مُعدّة للانفجار، في أي لحظة، ضد حزب الله، وضدّ لبنان، حتماً. وذلك بسبب ارتباط التفجير بسلامة الاختراق. ومن ثم فإنه لمجرد شبهة انكشاف أمر البيجرات، كانت الحرب الشاملة ستقع. وهذا ما حصل فعلاً.
وهذا يعني أن حرب غزة، وحرب المساندة، خضعتا، بالنسبة إلى القيادة الصهيونية، لأمن سلامة الاختراقات. وذلك باعتبار أن الخطر المُحدِق بالكيان الصهيوني تمثّل عسكرياً في ما امتلكه حزب الله من صواريخ، قدّرها العدو الصهيوني بما يزيد على 150 ألفاً من الصواريخ «الموجّهة جيّداً». ومن هنا، كانت الحرب على حزب الله تحظى بالأولوية في الاستراتيجية الصهيونية.
كثيرون أدركوا الدور الكبير الذي لعبته الاختراقات كما حدث فعلاً، ولكن لم يقدّروا بأنها عبّرت عن الأولوية التي حكمت قيادة الكيان قبل حرب غزة وفي أثنائها.
* كاتب وسياسي فلسطيني