آخر الأخبار

حوكمة المخيّمات الفلسطينية: تصوّر واحد أم شراكة؟

a24d02b2-1879-4b3b-9ad3-eae192a6e899-rtu31eb23duzg82zdg4riw4bn7ny09k3yiipph5y0g

أحمد عبد الهادي

تنظّم لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني اليوم، ورشة لإطلاق الحوار حول «الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان»، ويهتم اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بهذه المبادرة، والتعامل معها كفرصة للانتقال بالعلاقة مع الدولة اللبنانية، من مرحلة إدارة المشكلات والأزمات، إلى بناء منظومة مؤسساتية مستقرة، تعالج واقع المخيمات بمختلف أبعاده السياسية والأمنية والحقوقية والإنسانية والاجتماعية.
يمثّل موضوع الحوكمة مدخلاً مهماً لمعالجة الاختلالات المتراكمة في إدارة شؤون المخيمات، وتنظيم العلاقة مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وتحديد المسؤوليات والصلاحيات، بما يُعزِّز الأمن والاستقرار ويُحسِّن الظروف الحياتية للاجئين الفلسطينيين، ويحفظ في الوقت نفسه سيادة لبنان وقوانينه وحق الشعب الفلسطيني في العودة ورفض التوطين.

غير أن نجاح هذا المشروع يتوقف، قبل أي شيء آخر، على اعتماد مبدأ الشراكة الحقيقية وإشراك جميع مُكوّنات المجتمع الفلسطيني، وفي مقدّمتها الفصائل والقوى الفلسطينية على اختلاف انتماءاتها، إلى جانب الشخصيات المستقلة والمؤسسات المجتمعية، كون الواقع الفلسطيني في لبنان متعدّداً سياسياً وتنظيمياً ومجتمعياً، ولا تستطيع أي جهة فلسطينية منفردة، مهما كانت مكانتها أو صفتها الرسمية، إدارة هذا الواقع أو تحمُّل مسؤولية تنفيذ التفاهمات المتعلقة به.

ومن هنا، تبرز الحاجة الى تمييز ضروري بين الاعتراف بالتمثيل الدبلوماسي الفلسطيني الرسمي، والحاجة إلى مرجعية فلسطينية وطنية موحَّدة وجامعة تتولى إدارة الشأن الفلسطيني في لبنان، وتُشكِّل الشريك الفعلي للدولة اللبنانية في الحوار والاتفاق والتنفيذ. وهذه المرجعية ليست بديلاً عن التمثيل الرسمي، بل هي إطارٌ للشراكة الوطنية يضمن مشاركة القوى الفاعلة وتحمُّلها المسؤولية الجماعية، ويمنح التفاهمات اللبنانية–الفلسطينية مقوّمات النجاح والاستمرارية.

كذلك، يجب لفت الانتباه، إلى أنه لا ينبغي لمشروع الحوكمة أن يتحول إلى عنوان لمعالجة السلاح والأمن بصورة منفصلة عن سائر قضايا الوجود الفلسطيني. إن الأمن والحقوق والإدارة والخدمات والتنمية منظومة واحدة مترابطة، ولا يمكن تحقيق استقرار مُستدام في المخيمات من دون معالجة الظروف الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها سكانها.
وقد بدا واضحاً من مُسوّدة المشروع، أنها تقوم في بنيتها الأساسية وآلياتها التنفيذية على تكريس سيادة الدولة اللبنانية من زاوية ما يترتب على الفلسطينيين من واجبات والتزامات، من دون أن تمنح حقوقهم المكانة نفسها في بناء منظومة الحوكمة. وهذه مقاربة غير متوازنة، لأن السيادة لا ينبغي أن تُترجم حصراً إلى إجراءات أمنية وإدارية والتزامات مفروضة على اللاجئين، بل يجب أن تقترن أيضاً بمسؤولية الدولة عن احترام حقوقهم وحمايتها. فلا تستقيم معادلة الحقوق والواجبات إذا تحوّلت إلى واجبات مُلزِمة وحقوق مؤجَّلة أو غير مضمونة.

وتكتسب هذه المسألة أهمية قانونية أيضاً، كون القانون الدولي لحقوق الإنسان، والقواعد ذات الصلة من القانون الدولي الإنساني، والالتزامات الدولية التي قبل بها لبنان، تُشكِّل مرجعيات أساسية لحماية اللاجئين وكرامتهم وحقوقهم. فالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدان الدوليّان الخاصَّان بالحقوق المدنية والسياسية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، اللذان انضم إليهما لبنان، كل ذلك يؤسّس لالتزامات تتعلق بالحقوق الأساسية دون تمييز غير مشروع، مع مراعاة نطاق كل حق والضوابط القانونية المقرّرة له. وعليه، فإن تمكين اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم الإنسانية والاجتماعية والاقتصادية ليس مجرد مطلب سياسي أو إنساني، وإنما يرتبط أيضاً بالتزامات قانونية دولية، ينبغي أن تنعكس بصورة عملية في التشريعات والسياسات اللبنانية، من دون مساس بالسيادة أو رفض التوطين.

وفي هذا السياق، ينبغي أن تنطلق الحوكمة من حقيقة أساسية، وهي أن الفلسطيني في لبنان لاجئ صاحب قضية وطنية وحق في العودة، وليس أجنبياً مقيماً بصورة اعتيادية. وهذا التوصيف، الذي تضمَّنته المرجعيات اللبنانية ذاتها، يجب أن ينعكس على جميع محاور الحوكمة. فالمخيم ليس مجرد تجمُّع سكني يحتاج إلى إدارة، وإنما مجتمع لجوء له خصوصيته الوطنية والإنسانية، وتحسين ظروف حياته وتمكينه من حقوقه لا يتعارضان مع رفض التوطين، بل يسهمان في صون كرامته واستقراره وهويته إلى حين العودة.

وهنا تبرز ملاحظة أساسية أخرى على فلسفة الورقة المطروحة؛ إذ إن معظم ترتيباتها المتعلقة بإدارة المخيمات والأمن والمرجعيات والصلاحيات تتجه، في نتائجها المؤسسية المقترحة، نحو التعامل مع المخيم بوصفه وحدة سكانية وإدارية وأمنية ينبغي إعادة تنظيمها وإدماج إدارتها ضمن مؤسسات الدولة، أكثر من التعامل معه بوصفه عنواناً سياسياً لقضية اللجوء ومحطَّة مؤقَّتة على طريق العودة. ومع أن الورقة تؤكد نظرياً حق العودة ورفض التوطين والحفاظ على الهوية الفلسطينية، فإن هذه الثوابت لا تنعكس بالقدر الكافي على نموذج الحوكمة الذي تقترحه. فالمطلوب ليس الاكتفاء بإعلان احترام الخصوصية السياسية للمخيمات، وإنما ترجمة هذه الخصوصية في المرجعية الفلسطينية ودورها، وفي الإدارة المجتمعية، والعلاقة مع الأونروا، والحقوق، وآليات التنسيق مع الدولة اللبنانية.

وهذه القضية تحديداً يجب أن تكون نقطة الانطلاق الأساسية لأي مشروع لحوكمة المخيمات: فالمخيم الفلسطيني ليس مجرَّد مشكلة أمنية أو إدارية تنتظر الحل، وإنما هو نتاج قضية وطنية لم تُحل بعد، وشاهد على استمرار اللجوء والتهجير، ومحطَّة على طريق العودة إلى فلسطين. ولا يعني ذلك إخراج المخيم من السيادة اللبنانية أو إعفاءه من القانون، وإنما يعني أنَّ تنظيم شؤونه يجب أن يحافظ على طبيعته السياسية والإنسانية، وألّا يؤدّي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى إفراغه من خصوصيته الوطنية أو تحويل قضية اللجوء إلى مجرد ملف سكاني محلي.

كما ينبغي أن يشكل الحفاظ على الأونروا وتعزيز دورها جزءاً أصيلاً من مشروع الحوكمة، باعتبارها عنواناً لاستمرار المسؤولية الدولية تجاه اللاجئين الفلسطينيين، مع تنظيم علاقتها بالدولة اللبنانية بما يحفظ التفويض الدولي للوكالة ويحترم السيادة اللبنانية. وفي هذا المجال، ينبغي اعتماد شراكة ثلاثية مؤسساتية تجمع الدولة اللبنانية والأونروا والمرجعية الفلسطينية الوطنية الموحدة، بما تضمه من فصائل وقوى فلسطينية ومكوّنات مجتمعية أخرى، لضمان التكامل في إدارة الخدمات والبرامج الإنسانية والتنموية، وعدم تهميش الدور الفلسطيني أو نقل مسؤوليات الأونروا إلى الدولة اللبنانية، أو المساس بوظيفتها المرتبطة باستمرار قضية اللاجئين وحق العودة.

إن المطلوب ليس إقامة سلطة فلسطينية موازية للدولة اللبنانية، ولا إلغاء دور الفلسطينيين في إدارة شؤون مجتمعهم، وإنما صياغة شراكة مؤسساتية متوازنة، تكون فيها السيادة للدولة اللبنانية، والإدارة المجتمعية الفلسطينية لمؤسسات فلسطينية جامعة ومنظمة، ضمن القانون والتنسيق مع المؤسسات اللبنانية.

قد يشكل الحوار المرتقب فرصة مهمة للتفاهم على رؤية مشتركة، شرط أن يكون حواراً مفتوحاً مع جميع القوى والمكوّنات الفلسطينية، وأن تكون الدراسة المطروحة أساساً للنقاش والتطوير، لا صيغة نهائية يُطلب من الفلسطينيين تبنّيها أو تنفيذها. لأن نجاح الحوكمة لا يقاس بمدى قدرة طرف على فرض تصوّراته، وإنما بمدى قدرة اللبنانيين والفلسطينيين على إنتاج تفاهُم وطني جامع، يُحقِّق للبنان سيادته الكاملة، ويحقّق للفلسطينيين حفظ هويتهم الوطنية وحقهم في العودة وحقوقهم المدنية والاجتماعية.

* ممثل «حماس» في لبنان

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة