بقلم: عصام الحلبي
لم يعد ما تعيشه وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) مجرد أزمة مالية ، بل بات مسارًا متدرجًا نحو تآكل بنيوي يهدد نموذجها التشغيلي وولايتها الأممية. هذا ما تعكسه بوضوح رسالة المفوض العام للأونروا فيليب لازاريني إلى موظفي الوكالة، وما حذّرت منه بالتوازي الهيئة العربية للدفاع عن وكالة الأونروا (ACDU) في بيانها الصادر اليوم.
رسالة الإنذار …تقليص ساعات العمل وخفض الرواتب
في رسالة داخلية وُصفت بالأكثر خطورة منذ سنوات، أعلن لازاريني أن الأونروا ستباشر، اعتبارًا من 1 شباط/فبراير 2026، تقليص ساعات العمل الأسبوعية لموظفيها المحليين بنسبة 20%، مع خفض موازٍ في الرواتب، في جميع أقاليم العمليات، باستثناء بعض الفئات الحيوية.
ويقرّ المفوض العام صراحة بأن الوكالة تواجه وضعًا ماليًا «غير مسبوق ودائم»، يختلف جذريًا عن أزمات سابقة اعتادت الأونروا تجاوزها منذ عام 2018. ويُرجع ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
أولًا، تعليق التمويل من جهتين مانحتين رئيسيتين كانتا تشكلان قرابة ثلث ميزانية البرامج، وهي الميزانية التي تُموَّل منها رواتب الموظفين المحليين.
ثانيًا، التأثير المباشر للحملة السياسية التي تقودها حكومة الاحتلال الإسرائيلي ضد الأونروا، وما نتج عنها من تراجع أو تقييد مساهمات عدد من المانحين التقليديين بذريعة «الحيادية».
ثالثًا، الانكماش العالمي في التمويل الإنساني والإنمائي خلال عام 2025، ما حدّ من قدرة الوكالة على تعويض الفاقد المالي.
وتكشف الرسالة أن الأونروا، رغم إجراءات تقشفية تجاوزت 175 مليون دولار في 2025 وترحيل التزامات بقيمة 45 مليون دولار إلى 2026، ما تزال تواجه عجزًا متوقعًا في التدفقات النقدية يبلغ 220 مليون دولار في ميزانية البرامج لعام 2026، ما يجعل الوضع «هشًا وغير مستدام».
من فجوة تمويل إلى أزمة استدامة
في المقابل، ترى الهيئة العربية للدفاع عن وكالة الأونروا (ACDU) أن هذه الإجراءات لا يمكن التعامل معها كقرار إداري تقني، بل كمؤشر خطير على دخول الوكالة مرحلة «الخطر البنيوي».
وفي بيانها الصحفي، تعتبر الهيئة أن المساس بالموظفين وشروط عملهم يمثّل نقطة تحوّل نوعية في مسار الأزمة، إذ ينتقل العجز من كونه فجوة تمويلية قابلة للإدارة إلى أزمة استدامة تمس جوهر القدرة التشغيلية للأونروا. وتصف هذا المسار بأنه بداية «تآكل داخلي» يبدأ بالموارد البشرية، باعتبارها رأس المال التشغيلي الأكثر حساسية في نموذج عمل الوكالة.
وتحذّر الهيئة من أن ما يجري اليوم يترجم عمليًا سيناريو «الدومينو»:تعليق التمويل، ثم شحّ السيولة، فاستنزاف الاحتياطات، فالضغط على الموظفين، وصولًا إلى تقليص الخدمات المقدمة للاجئي فلسطين. وهو مسار، وفق البيان، لا يهدد فقط التوازن المالي، بل يضرب الولاية الأممية للأونروا في الصميم ويفتح الباب أمام اضمحلالها التدريجي.
الموظفون في قلب العاصفة
رسالة لازاريني لا تُخفي إدراك الإدارة للأثر السلبي لهذا القرار، سواء على الموظفين أو على لاجئي فلسطين الذين يعتمدون على خدمات الوكالة. ويصف المفوض العام الإجراء بأنه «الملاذ الأخير» لتجنّب إنهاء خدمات الموظفين المحليين والحفاظ على استمرارية العمل.
لكن الهيئة العربية للدفاع عن الأونروا ترى أن إدارة الانكماش عبر تحميل العبء للموظفين لا يمكن أن تشكّل حلًا مستدامًا، بل تُسرّع فقدان الكفاءة، وتراجع جودة الخدمات، واهتزاز الثقة المؤسسية، بما يجعل الوكالة أكثر هشاشة أمام الضغوط السياسية.
من المسؤول؟ ومن يضغط؟
يتقاطع النصّان عند نقطة جوهرية أن الأزمة لم تعد داخلية فحسب. فبينما يؤكد لازاريني أن أموال الميزانية العادية للأمم المتحدة لا يمكن استخدامها لسد عجز ميزانية البرامج بسبب قيود الجمعية العامة، تشدد الهيئة على أن المسؤولية تمتد إلى الدول الأعضاء والمانحين الذين أوقفوا أو قيّدوا تمويلهم، في خرق واضح لالتزامات سياسية وإنسانية سابقة.
وتذهب الهيئة أبعد من ذلك، معتبرة أن ردود الفعل التقليدية لم تعد كافية، داعية مجتمع اللاجئين الفلسطينيين وقياداته ومؤسساته إلى تبنّي استراتيجيات ضغط ذكية، منظمة، وعابرة للحدود، تستهدف مباشرة مراكز القرار المالي والسياسي في الدول المانحة، باستخدام أدوات قانونية وبرلمانية وإعلامية واقتصادية مدروسة.
وتحذّر من أن التحركات غير الموجّهة أو الرمزية قد تؤدي إلى نتائج عكسية، تُستغل لتسريع إنهاء الأونروا بدل إنقاذها، مؤكدة أن أي حراك غير قابل للقياس ولا يستند إلى أهداف واضحة سيبقى هشًا وقابلًا للاحتواء.
معركة وجود لا إدارة أزمة
بين رسالة المفوض العام وبيان الهيئة، تتضح صورة واحدة أن الأونروا تقف اليوم على حافة انتقال خطير من إدارة أزمة مالية إلى خوض معركة وجود، فإما إعادة تثبيت التمويل المستدام وغير المشروط، وإما استمرار مسار التآكل الذي يبدأ بالموظفين ولا ينتهي عند حدود الخدمات.
وفي لحظة كهذه، لا يبدو تقليص ساعات العمل مجرد إجراء تقشفي، بل علامة فارقة على مستقبل وكالة شكّلت، منذ أكثر من سبعة عقود، أحد الأعمدة القليلة المتبقية لحماية حقوق وكرامة لاجئي فلسطين.