آخر الأخبار

مجلس السلام أم الوصاية؟ قراءة في المخرجات الأمريكية لمستقبل غزة

240662624

في وقت تتكثف فيه التحركات الدولية لإعادة ترتيب المشهد في قطاع غزة، بعيدًا عن جذور الصراع وأسبابه الحقيقية، يبرز الإعلان الأمريكي عن تشكيل ما يُسمّى بـ«مجلس السلام» كخطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية تتجاوز ظاهرها الدبلوماسي.

فخلف الشعارات الإنسانية وحديث التهدئة، تتشكل – وفق قراءات فلسطينية – صيغة جديدة لإدارة القطاع، تقوم على إعادة إنتاج الوصاية بغطاء دولي، وتكريس معادلات أمنية تربط الإغاثة بالضبط والسيطرة، لا بالحقوق والسيادة.

وفي هذا الإطار، قدّم الكاتب والمحلل السياسي علاء الريماوي قراءة تحليلية للمركز الفلسطيني للإعلام اعتبر فيها أن المجلس المعلن عنه يمثّل ترجمة عملية لمخرجات رؤية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، عبر مجلس وصاية أمريكي محكوم بالتوجهات الإسرائيلية، يُقصي الفلسطينيين عن مركز القرار، ويفتح الباب أمام مرحلة معقّدة تتقاطع فيها فرص التهدئة مع مخاطر التفكك الداخلي.

بنية منحازة سياسيًا

وقال الريماوي إن ما أُعلن أمريكيًا بشأن تشكيل «مجلس السلام» لا يمكن قراءته بمعزل عن الانحياز الأمريكي التاريخي لإسرائيل، معتبرًا أن المجلس في بنيته وتكوينه يعكس دعمًا واضحًا للرؤية الإسرائيلية.

وأضاف أن التكوين النفسي والسياسي لأعضاء المجلس يظهر انسجامًا كبيرًا مع الطرح الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن بعض الشخصيات المشاركة تتبنى مواقف متطرفة تتماهى مع رؤية اليمين الإسرائيلي، ما يفقد المجلس أي صفة حيادية أو توازنية.

وأوضح أن هذه البنية تجعل المجلس أداة لإدارة الواقع القائم، لا إطارًا لمعالجة جوهر الصراع أو ضمان الحقوق الفلسطينية.

تقاطع سياسي مع الرواية الإسرائيلية

وأشار الريماوي إلى أن المواقف السياسية المعروفة لأعضاء المجلس تتقاطع في مجملها مع الرؤية الإسرائيلية في مفاصل أساسية من الصراع، لافتًا إلى أن هذا التقاطع يشمل تعريف الأمن، وأولوية الملفات، وطبيعة الحلول المطروحة.

وأضاف أن المجلس يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا أمنيًا–إنسانيًا، لا قضية تحرر وطني، وهو ما ينسجم مع المقاربة الإسرائيلية الساعية إلى تفريغ الصراع من مضمونه السياسي.

مشاركة عربية محدودة التأثير

وقال الريماوي إن الحضور العربي والإسلامي داخل المجلس يفتقر إلى التأثير الحقيقي، موضحًا أن مشاركة دول مثل مصر والإمارات وتركيا تقتصر على أطر تنفيذية ولجان فرعية.

وأضاف أن هذه الدول ليست شريكة في صناعة القرار السياسي النهائي داخل البنية الرئيسية للمجلس، ما يجعل الدور العربي أقرب إلى دور وظيفي منه إلى دور سياسي مؤثر.

مهام أمنية بمنطق المقايضة

وأوضح الريماوي أن المهام الموكلة للمجلس في المرحلة المقبلة يغلب عليها الطابع الأمني والإغاثي، معتبرًا أن هذا التوجه يكرّس منطق المقايضات.

وأضاف أن آليات التحرك تقوم على معادلة واضحة مفادها: “تقدم أمني يقابله تقدم إغاثي”،
وهو ما يعني ربط الاحتياجات الإنسانية المشروعة للفلسطينيين بشروط سياسية وأمنية تمس جوهر الصراع.

تغييب الفلسطينيين عن مركز القرار

وبيّن الريماوي أن أخطر ما في تشكيل المجلس هو غياب التكوين الفلسطيني عن بنيته الأساسية، مؤكدًا أن هذا الغياب يحوّل أي لجنة حكومية في غزة إلى لجنة تنفيذية محدودة الصلاحيات.

وأضاف أن هذه اللجنة تفتقر إلى القدرة السياسية والجبهوية اللازمة لتحصين المصالح الفلسطينية أو التأثير في مركز القرار، ما يضعف الموقف الفلسطيني في أي ترتيبات مقبلة.

النتائج المتوقعة

وقال الريماوي إن هذا التشكيل يعكس اهتمامًا أمريكيًا واضحًا بفرض رؤيته السياسية، مرجّحًا أن تشهد المرحلة القادمة تسارعًا في تنفيذ بعض ملامح الخطة الأمريكية، مستفيدة من الغطاء المؤسسي الذي يوفره المجلس.

وأضاف أن إعلان التشكيل، إلى جانب تأسيس لجنة حكومية في غزة، سيجعلان فرضية العودة إلى حرب واسعة النطاق ضعيفة للغاية في المدى المنظور.

وأوضح أن قدرة الفلسطينيين على التأثير في مركز القرار ستعتمد على طبيعة ردود الفعل داخل القطاع، متوقعًا أن يغلب عليها الطابع الاجتماعي والمعيشي، مع تراجع تدريجي في حالة الممانعة السياسية.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تسارعًا أمنيًا باتجاه الهدف المركزي المتعلق بالسلاح، مقابل بطء واضح في ملفات الإعمار الشامل.

وأضاف أن المعيقات المالية ستشكّل عاملًا رئيسيًا في إضعاف فاعلية جهود إعادة إعمار قطاع غزة.

وقال الريماوي إنه، رغم الانحياز الأمريكي الواضح والصيغة السياسية للمجلس التي تتقاطع مباشرة مع الرؤية الإسرائيلية، فإن المرحلة المقبلة قد تشهد انفراجات إنسانية محدودة لأهالي قطاع غزة.

وأضاف أن احتمالية العودة إلى حرب واسعة النطاق تتراجع، كما أن سيناريو التهجير الجماعي يبدو فاشلًا في ظل المعطيات الحالية.

وحذّر الريماوي من أن المرحلة القادمة قد تعزز حضور النضال الاجتماعي، مقابل مخاوف جدية من انزلاقات نحو صراع بنيوي داخلي في القطاع، خاصة مع بروز تشكيلات مليشيوية مسلحة ذات تقاطعات مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل.

وختم بالقول إن المرحلة الراهنة تتطلب فهمًا عميقًا لروحية التحرك الفلسطيني، ومقاربة متوازنة تجمع بين الاحتياج الإنساني العاجل والحفاظ على الهوية والمشروع الوطني الفلسطيني.

 

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة