آخر الأخبار

العنصر الحاسم في المواجهة: إرادة القتال

WhatsApp-Image-2018-09-12-at-4.51.00-PM

كريم حداد

في كل مواجهة كبرى، عسكرية كانت أم سياسية، ينجذب التحليل سريعاً إلى الأرقام: عدد الجنود، نوعية السلاح، دقة الصواريخ، حجم الاقتصاد، عمق الاحتياطي الاستراتيجي. غير أنّ التاريخ، إذا أُعيدت قراءته بهدوء، يكشف عن عنصر أكثر مراوغة وأشد حسماً من كل تلك المعطيات المادية: إرادة القتال.

ليست الإرادة مجرد معنويات مرتفعة أو خطاب تعبوي عابر، بل هي ذلك القرار العميق، الفردي والجماعي، بالصمود والمبادرة والاستمرار حين تتكاثف الضغوط وتضيق الخيارات. إنها العتبة التي إن سقطت، سقط معها كل ما بُني فوقها من عتاد وخطط.

إرادة القتال هي، في جوهرها، استعداد ذهني وأخلاقي لتحمّل الكلفة. ليست الشجاعة وحدها، ولا الحماسة العابرة، بل القدرة على احتمال الخسارة دون الانهيار، وعلى قبول التضحية دون الاستسلام للعبث. وهي تنشأ من شبكة مركّبة من العوامل: الهوية، الإحساس بالعدالة، الثقة بالقيادة، التماسك الداخلي، الإيمان بجدوى الصمود، واليقين بأن التضحية لن تذهب سدى. لذلك لا يمكن اختزالها في عنصر واحد؛ فالقيادة وحدها لا تكفي، كما إن التماسك الاجتماعي دون رؤية استراتيجية قد يتحول إلى اندفاع غير محسوب. الإرادة هي حصيلة تفاعل بين المعنى والقدرة، بين الغاية والوسيلة.

من هنا نفهم لماذا يضع الخصم، في كل صراع طويل الأمد، كسر إرادة الطرف المقابل في صلب استراتيجيته. فالمواجهة ليست سباقاً إلى استنزاف الموارد فقط، بل إلى إنهاك العزيمة. قد يحقق العدو انتصارات تكتيكية محدودة لا تغيّر ميزان القوى جذرياً، لكنه إذا نجح في بثّ الشعور بالعجز واللاجدوى داخل صفوف خصمه، يكون قد اقترب من تحقيق غايته الحقيقية. إن هدفه الأبعد ليس تدمير كل دبابة أو إسكات كل بندقية، بل زرع الشك في قلوب المقاتلين، وتفكيك الثقة بين المجتمع وقيادته، وتحويل التضحية من فعل ذي معنى إلى عبء ثقيل بلا أفق.

يعمل العدو على ذلك بوسائل متعددة. أولها الضربات النفسية المركّزة: استهداف رموز، أو مواقع ذات دلالة، بهدف إحداث صدمة تتجاوز أثرها المادي. فالضربة التي تُصيب مستشفى أو مدرسة أو حيّاً مدنياً لا تُقاس فقط بعدد الضحايا، بل بما تخلّفه من شعور بالعجز والغضب واليأس. وثانيها الحرب الإعلامية: تضخيم الخسائر، نشر الشائعات، ترويج روايات الهزيمة، وإظهار المقاومة كفعل عبثي لا طائل منه.

وثالثها اللعب على الانقسامات الداخلية: تغذية الشكوك، تعميق الانقسامات الطائفية أو السياسية، وتحويل التباينات الطبيعية إلى شروخ مدمّرة.
في المقابل، حين تتماسك الإرادة، تتحول حتى الموارد المحدودة إلى قوة مضاعفة. الجندي الذي يؤمن بعدالة قضيته، ويثق بقادته، ويشعر بأن مجتمعه يقف خلفه، يقاتل بطاقة مختلفة عن ذاك الذي يخوض المعركة بلا معنى واضح. الإرادة لا تلغي الحاجة إلى السلاح والتخطيط، لكنها تمنح تلك الأدوات روحها. إنها الفارق بين جيش ينهار عند أول انتكاسة، وجيش يعيد تنظيم صفوفه ويحوّل الهزيمة الجزئية إلى درس وتحدٍّ.

غير أنّ إرادة القتال ليست ثابتة. لها درجات، وتتعرض للاهتزاز بفعل عوامل داخلية وخارجية. الفساد، مثلاً، يقوّضها من الداخل؛ فالمقاتل الذي يشعر بأن تضحياته تُستغل لمصلحة فئة ضيقة يفقد تدريجياً شعوره بالانتماء. كما إن غياب الوضوح الاستراتيجي يُضعفها؛ إذ كيف يمكن الصمود إذا لم تكن الغاية مفهومة أو إذا بدا الطريق إلى تحقيقها مسدوداً؟ كذلك فإن سوء إدارة الخسائر، وعدم الاعتراف بالأخطاء، وغياب العدالة في توزيع الأعباء، كلها عوامل تستنزف الإرادة بصمت.

من هنا يصبح الحفاظ على إرادة القتال مسؤولية سياسية وأخلاقية بقدر ما هي مسؤولية عسكرية. القيادة التي تدرك مركزية الإرادة لا تتعامل مع المقاتلين كأدوات، بل كذوات فاعلة تحتاج إلى معنى وثقة. تشرح أهدافها بوضوح، تعترف بخسائرها بشفافية، وتحرص على عدالة داخلية تحصّن الصفوف من التصدع. كما تعمل على ربط الجبهة العسكرية بالجبهة المجتمعية، بحيث يشعر المدني بأن صموده اليومي جزء من معادلة المواجهة، لا مجرد هامش لها.

القيادة التي تدرك مركزية الإرادة تتعامل مع المقاتلين كذوات فاعلة تحتاج إلى معنى وثقة. فتشرح القيادة أهدافها بوضوح، تعترف بخسائرها بشفافية، وتحرص على عدالة داخلية تحصّن الصفوف

وفي السياق الأوسع، تتصل إرادة القتال بإرادة المجتمع. فالمعركة الطويلة لا تُحسم في الخنادق وحدها، بل في البيوت والمدارس ووسائل الإعلام. حين يقتنع المجتمع بأن كلفة الصمود أقل من كلفة الاستسلام، تتحول الإرادة إلى حالة عامة، لا تخصّ المقاتلين فقط. أما إذا شاع الشعور بأن المواجهة عبثية أو مفروضة من فوق دون مشاركة حقيقية، فإن التآكل يبدأ من القاعدة. لذلك يحرص العدو على توسيع الفجوة بين المجتمع ومقاتليه، عبر تصويرهم كمغامرين أو متهورين أو أدوات لمصالح خاصة.

التاريخ الحديث يقدم أمثلة كثيرة على حروب حُسمت إرادياً قبل أن تُحسم عسكرياً. قوى عظمى امتلكت تفوقاً مادياً ساحقاً، لكنها لم تستطع فرض إرادتها على خصم أصغر حجماً وأكثر إيماناً بقضيته. وفي المقابل، انهارت جيوش مدججة بالسلاح حين تزعزعت ثقتها بنفسها وبقيادتها، وتحولت المعركة في وعيها إلى عبء غير مبرر. ما يجمع تلك الحالات أن الانتصار أو الهزيمة لم يكونا نتيجة حسابات تقنية فحسب، بل ثمرة صراع بين إرادات.

لكن يجب الحذر من تحويل إرادة القتال إلى خطاب روماني مبالغ فيه. فالإرادة لا تعني الاندفاع الأعمى، ولا تجاهل موازين القوى، ولا رفض التسويات حين تكون ضرورية. الإرادة الحقيقية تتجلى في القدرة على الصمود حين يجب الصمود، وعلى التفاوض حين يكون التفاوض جزءاً من استراتيجية واعية لا نتيجة انكسار نفسي. إنها توازن بين الثبات والمرونة، بين العناد المشروع والحساب العقلاني.
من زاوية العدو، فإن كسر الإرادة يمر غالباً بمراحل. تبدأ بمحاولة الصدمة السريعة: ضربة قوية تُظهر التفوق وتبث الرعب.

فإن لم تنجح، ينتقل إلى الاستنزاف البطيء: ضغط اقتصادي، تهديد دائم، خلق حالة إنهاك نفسي. فإن بقيت الإرادة متماسكة، يسعى إلى تدويل الضغوط، وإحاطة الخصم بعزلة سياسية تجعله يشعر بالوحدة. الهدف في كل الأحوال واحد: تحويل الصمود إلى عبء لا يُحتمل، وجعل الاستسلام يبدو خياراً عقلانياً.

في مواجهة هذه الاستراتيجية، لا يكفي رفع الشعارات. المطلوب بناء إرادة مؤسسية، لا ظرفية. إرادة تستند إلى مؤسسات فاعلة، وإلى توزيع عادل للتضحيات، وإلى سردية وطنية جامعة تُشعر الجميع بأنهم شركاء في المصير. كما يتطلب الأمر الاستثمار في التعليم والثقافة، لأن الهوية المتماسكة تُعدّ خط الدفاع الأول عن الإرادة. فالشخص الذي يعرف تاريخه، ويدرك معنى انتمائه، يكون أقل عرضة للانهيار تحت ضغط الدعاية أو الخوف.

إرادة القتال، إذن، ليست حالة عاطفية عابرة، بل بنية عميقة تتشكل عبر سنوات من التربية والسياسة والقيادة الرشيدة. وهي ليست ملكاً لطبقة أو فئة، بل نتيجة تفاعل جماعي. حين تتكامل عناصرها، يصبح كسرها مهمة شاقة حتى على أقوى الخصوم. وحين تُهمل أو تُستنزف، يتحول التفوق المادي إلى ورقة بلا قيمة.

في النهاية، قد تُحسم المعارك بالمدافع، لكن الحروب الطويلة تُحسم بالإرادات. من ينجح في الحفاظ على إرادته، وفي حماية معناها من التشويه، وفي تحويل الألم إلى تصميم، يملك فرصة حقيقية للصمود وربما للانتصار. أما من يسمح بتآكل تلك الإرادة، ولو امتلك أحدث الأسلحة، فإنه يغامر بأن يجد نفسه مهزوماً قبل أن تُطلق الرصاصة الأخيرة. وفي عالم تتكاثر فيه المواجهات المركّبة، من ساحات القتال إلى الفضاء الإعلامي والاقتصادي، يبقى الصراع في جوهره صراع إرادات، والرهان الأكبر هو على من يصمد أطول، لا على من يضرب أقوى فقط.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة