أبو شريف رباح
21/2/2026
– قراءة تحليلية في دلالات استخدام مصطلح “شعب غزة” وخلفياته السياسية من قبل الرئيس الأمريكي..
منذ فجر التاريخ شكلت فلسطين وحدة جغرافية وبشرية متكاملة، وكان الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده — جسدًا واحدًا رغم محاولات التقسيم والاقتلاع، ولم يعرف الفلسطينيون يوما على أساس كيانات منفصلة بل على انتماء جامع لفلسطين، نعم، نقول غزاوي، ضفاوي، مقدسي، لاجئ، أو من فلسطينيي الداخل، لكننا لا نقول “شعب غزة” أو “شعب الضفة” لأن هذه تسميات تفصل ما هو موحد ولا تعبّر عن حقيقة الهوية الوطنية الفلسطينية.
التسمية الأمريكية ليست بريئة فوصف أهلنا في القطاع “بشعب غزة” في الخطاب السياسي الأميركي، كما ورد في تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمكن اعتباره زلة لغوية أو توصيفا جغرافيا عابرا بل يحمل دلالات سياسية عميقة، فالمصطلحات في العلاقات الدولية ليست حيادية بل أدوات لصياغة الواقع وتوجيهه وعندما يفصل جزء من الشعب عن الكل في الخطاب السياسي فإن ذلك يمهد عمليا لتكريس التقسيم وتحويل الشعب الواحد إلى شعوب.
لقد شهد التاريخ الحديث نماذج عديدة استخدمت فيها اللغة لتكريس الانقسام من توصيف الأقليات والكيانات المحلية إلى فرض إدارات انتقالية أو وصايات دولية تحت ذرائع إنسانية أو أمنية، وفي الحالة الفلسطينية يصبح هذا الخطر مضاعفا في ظل واقع الاحتلال والحصار، فقطاع غزة ليس كيانا منفصلا عن فلسطين بل جزء لا يتجزأ من الدولة الفلسطينية مع الضفة والقدس، وأي محاولة لتكريس انفصال غزة تمثل مساسا مباشرا بوحدة الأراضي الفلسطينية وتفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة من بينها:
الفصل الجغرافي والسياسي بين غزة والضفة والقدس، وتدويل إدارة القطاع تحت مسميات “قوة استقرار” أو “إدارة انتقالية” تتجاوز منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية الفلسطينية في التمثيل الوطني، وإعادة تعريف الصراع من قضية شعب تحت الاحتلال إلى أزمة إنسانية مزمنة.
الحديث عن قوات متعددة الجنسيات أو إدارة دولية لغزة يقدم غالبا في إطار إنساني كإعادة الإعمار ومنع الفوضى وحماية المدنيين لكنه يحمل أبعادا سياسية، فمثل هذه الصيغ قد تتحول إلى بديل عن إنهاء الاحتلال وتستخدم لإدارة الأزمة بدل حلها، والتجارب الدولية تظهر أن قوات الاستقرار قد تتحول إلى أدوات لضبط الواقع وفق توازنات القوة وليس لتحقيق العدالة، وفي الحالة الفلسطينية قد يعني ذلك تكريس فصل غزة عن المشروع الوطني وتحويلها إلى كيان وظيفي مرتبط بالمساعدات الإنسانية والرقابة الأمنية الإسرائيلية _ الأمريكية.
والقضية الفلسطينية لم تكن يوما قضية أرض فقط بل قضية شعب وهوية وأي خطاب يعيد تعريف الفلسطينيين ككيانات منفصلة يهدد الركيزة الأساسية للنضال الوطني الفلسطيني و وحدة الشعب في الداخل والشتات فحين يختزل الفلسطيني في “غزّاوي” أو “ضفّاوي” يصبح الطريق ممهدا لإعادة رسم الخرائط السياسية للمنطقة.
ولا يمكن الجزم بوجود مخطط معلن لتقسيم الوطن الفلسطيني لكن المؤشرات اللغوية والسياسية تستدعي الحذر فالتاريخ يعلمنا أن التقسيم يبدأ بالمفاهيم قبل الخرائط وبالتسميات قبل الحدود، لذلك تبقى وحدة الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات حجر الأساس في مواجهة مشاريع التفتيت والإلغاء، فغزة ليست شعبا منفصلا بل جزء حي من شعب واحد وقضية وأرض واحدة.
إن استخدام مصطلح “شعب غزة” في الخطاب الأميركي ليس مجرد زلة لسان بل يحمل دلالات سياسية خطيرة إذا استخدم لتكريس الفصل الجغرافي والسياسي، والرد الحقيقي لا يكون بالرفض اللفظي فقط بل بتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية والتأكيد أن الفلسطيني أينما كان ينتمي إلى شعب واحد لا يمكن تجزئته ولا فصل أرضه عن هويته.