حمزة البشتاوي
يحضر شهر رمضان المبارك عند الفلسطينيين في المخيمات باعتباره مناسبة لتعزيز الصبر والتكاتف، واستحضار قيم الرحمة والعطاء، إضافة للبعد الوطني في هذا الشهر من خلال استحضار حكايات وذكريات شهر رمضان في قرى ومدن فلسطين التي هجر منها سكان المخيمات قسراً منذ نكبة العام 1948 التي لم تجعل الفلسطينيين يفقدون عاداتهم وتقاليدهم التي يتوراثونها عن الآباء والأجداد ويمارسونها في هذا الشهر باعتبارها جزء من هويتهم الثقافية المتجذرة في القلب والوجدان.
تأخذ عادات وتقاليد شهر رمضان في المخيمات الطابع الإحتفالي كما كان يفعل جيل النكبة في فلسطين من خلال تزيين الشوارع والأزقة والمنازل والمحلات بالفوانيس وأعلام فلسطين والإضاءة المميزة، وكما كان الحال أيام البلاد، يحضر في ليالي شهر رمضان المسحراتي الذي يوقظ القلوب قبل الأجساد، وكذلك وجبة السحور ومدفع الإفطار وتبادل الأطباق (السكبة) والإفطار الجماعي، وإقامة موائد الرحمن والتكايا، وزيارة كبير العائلة، ومائدة الإفطار تحضر فيها الأكلات الفلسطينية التقليدية مثل المقلوبة والمسخن والملوخية والمحمر وحلويات القطايف والشعيبيات والذهاب للصلاة في المسجد وتلاوة القرآن، وهذه من أبرز مظاهر الشهر الفضيل الذي يعتبره اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات مناسبة تحضر فيها قيم الرحمة والعطاء خاصة لأسر الشهداء ودعم الأسرى في سجون الإحتلال والصامدين في غزة داخل الخيام.
في المخيمات الفلسطينية يأتي شهر رمضان وسط أنين البيوت المتلاصقة وأحلام الناس المؤجلة وأوضاع أمنية ومعيشية صعبة فيها الكثير من الحواجز والأسلاك وضجة الأزقة والشوارع والمفرقعات التي تنغص على اللاجئ الفلسطيني محاولة نسيان البؤس والحرمان والفقر والبطالة، وعدم إقرار الحقوق الإنسانية والإجتماعية، وتقليص خدمات وكالة الأنروا، واستمرار الإنقسام، وخطة ترامب، وخطابات وبيانات الفصائل، ووجع المخيم الذي يتمسك أهله بالعادات والتقاليد وحقهم بالعودة إلى ديارهم، رافعين رغم المعاناة رايات الصبر والثبات، ولكن السؤال الصعب هو كيف يمكن أن ينسى اللاجئ كل ذلك ومطرقة الحرمان والقلق تضرب رأسه صباحاً ومساءً.
يسود صمت ثقيل في المخيمات الفلسطينية خاصة قبل دقائق من الإفطار، ثم تبدأ بعد ذلك السهرات والأحاديث عن السياسة والبطالة والهجرة والتمسك بالبقاء بالمخيم حيث ما يزال هناك مساحة من الأمل، رغم الكثير من الهموم والخيبات والمرارات ومحاولات إخراج الفلسطينيين من معادلة الوجود والحق في تقرير المصير، وهذا ما يعتبره اللاجئون الفلسطينيون القابضون على جمر عودتهم التحدي الأكبر لهم وسط حالة سياسية في الساحة الفلسطينية لا تغضب عدواً ولا تسر صديق، وهذا ما دفع المسحراتي في المخيم بأن ينادي قبل أن تضيق أكثر مساحة الأمل ويتحول اليأس والإحباط إلى عادة ويقول: من أجل إيقاظ الناس في المخيم: اصحى يا نايم قوم واتسحر وأدعي لغزة تتحرر، وأصحى يا نايم محدش فينا سائل من السلطة والفصائل.