آخر الأخبار

المخيمات بين حسابات الحرب وهشاشة الواقع.. أي مصير ينتظر الفلسطينيين في لبنان؟

IMG-20260302-WA0413-1-2048x1308

مازن كريّم

في وقتٍ يتسع فيه نطاق العدوان الإسرائيلي على لبنان، تعود المخيمات الفلسطينية إلى واجهة القلق والترقّب، وسط مخاوف متزايدة من أن تجد نفسها في قلب معادلة النار المفتوحة، سواء عبر الاستهداف المباشر أو بفعل التداعيات غير المباشرة لتوسّع رقعة المواجهة جنوبًا.

وبين الهواجس الأمنية والتعقيدات السياسية والأزمات الإنسانية المتراكمة، يطفو سؤال مركزي: هل تبقى المخيمات بمنأى عن الحرب، أم أن المرحلة المقبلة تحمل تحولات أكثر خطورة؟.

وفي هذا السياق، يؤكد الباحث والقيادي الفلسطيني، يوسف موسى، في تصريح خاص لـ”قدس برس”، أنه “حتى الآن لا يوجد تهديد واضح بأن المخيمات الفلسطينية في لبنان دخلت مباشرة في دائرة مواجهة عسكرية”، مشيرًا إلى أن “التوتر المحيط بلبنان وتصاعد المواجهات بين حزب الله والكيان الصهيوني يزيدان من مخاطر التدهور الأمني العام”.

ويحذر موسى من أنه “في حال اتسع نطاق القتال داخل لبنان بشكل أوسع، فإن ذلك قد ينعكس مباشرة على المخيمات، خصوصًا إذا ارتبط الأمر بمخططات تهدف إلى تهجير المخيمات من منطقة جنوب الليطاني، ما يفتح الباب أمام مرحلة شديدة الحساسية أمنيًا وديموغرافيًا”.

ضبط أمني محدود… ومعادلة معقدة

وحول قدرة الفصائل الفلسطينية على ضبط الوضع الداخلي، يوضح موسى أن هذه القدرة “تبقى محدودة، خاصة في ظل تعطيل هيئة العمل الفلسطيني المشترك، التي استطاعت سابقًا ضبط المخيمات إلى حدّ كبير رغم الأوضاع اللبنانية المعقدة”.

ويشير إلى أن “الفصائل قادرة نسبيًا على إدارة الأمن الداخلي في الظروف العادية أو في حالات التوتر المحدود، لكن في حال توسّع العدوان إلى مواجهة شاملة داخل لبنان، فإن مسألة الضبط تأخذ أبعادًا مختلفة”.

ويضيف أن “الحديث عن ضبط الأمن لا يعني النأي بالنفس عن الصراع الدائر دفاعًا عن لبنان”، معتبرًا أن “ما يجري من حرب على لبنان عنوانه الأساسي فلسطين، وأن معادلة الإسناد للمقاومة في غزة كانت أحد أسباب اتساع دائرة المواجهة”.

من استقبال النازحين… إلى احتمال النزوح

ويكشف موسى أن “المخيمات تستقبل حاليًا نازحين من القرى اللبنانية المجاورة، في مشهد يعكس التداخل الجغرافي والاجتماعي بين المخيم ومحيطه”، إلا أنه يرجّح أنه “في حال اتسعت دائرة القصف، فإن المخيمات نفسها قد تشهد حالة نزوح، حتى لو لم تُستهدف مباشرة، نظرًا لوقوعها ضمن نطاق الاستهدافات القريبة”.

تداعيات إنسانية خطيرة

ويرى موسى أن “استمرار التصعيد العسكري قد يقود إلى تداعيات إنسانية خطيرة ومتعددة على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، من نزوح وفوضى داخلية، إلى زيادة معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، فضلًا عن تعطيل الخدمات الأساسية التي تقدمها وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، سواء على صعيد الطبابة أو المساعدات الغذائية أو التعليم”.

ويحذر من أن “تعطيل المدارس والخدمات سيخلّف مشكلات اجتماعية ونفسية عميقة، في بيئة تعاني أصلًا من هشاشة مزمنة”.

أزمات متراكمة قبل الحرب

ويذكّر الباحث الفلسطيني بأن المخيمات “تعاني أصلًا من اكتظاظ سكاني، وبطالة مرتفعة، وبنى تحتية متهالكة – إن وجدت – ونقص في الخدمات الأساسية نتيجة الأزمة المالية التي تعلنها الأونروا”.

ويضيف أن “الأزمات لا تقتصر على الجانب الإغاثي، بل تشمل أيضًا الأوضاع الداخلية الفلسطينية، في ظل ما تعانيه منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية والفصائل من تحديات سياسية وتنظيمية”.

كما يشير إلى أن “الدولة اللبنانية لم تتعامل تاريخيًا مع ملف اللاجئين باعتباره أولوية، ولم تقدّم مساعدات تُذكر في الظروف السابقة، ما يضاعف من حجم الهشاشة في أي طارئ جديد”.

كيف يمكن منع الانهيار؟

ورغم الصورة القاتمة، يرى موسى أن الحد من احتمالية الانهيار الإنساني ممكن، إذا توفرت النية السياسية لذلك، ويؤكد أن الأمر “يتطلب خطوات سريعة ومتكاملة تقودها الدول المانحة بالتعاون مع الأونروا، عبر تمويل طارئ وخطة استجابة عاجلة داخل المخيمات، تشمل مساعدات نقدية مباشرة وتعزيز شبكات الحماية الاجتماعية”.

ويخلص إلى أن “منع الانهيار لا يقتصر على الإغاثة الآنية، بل يحتاج إلى تمويل مستقر، وتعزيز الخدمات الأساسية، ووضع خطة طوارئ واضحة قبل تفاقم التصعيد”، معتبرًا أن “حماية المجتمع الفلسطيني اللاجئ مرهونة بوجود إرادة حقيقية لدى الأطراف المعنية”.

دعوات فلسطينية لخطة طوارئ شاملة

في موازاة التحذيرات التحليلية، تصاعدت الدعوات الفلسطينية لتحرك عاجل على المستوى الإغاثي والتنظيمي.

فقد دعت دائرة الأونروا واللاجئين في “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” إدارة الأونروا إلى التحرك الفوري تجاه الدول المانحة لوضع وتنفيذ خطة طوارئ شاملة تتناسب مع حجم التحديات الراهنة، وتأمين الاحتياجات الإغاثية والصحية، وفتح مراكز إيواء للعائلات النازحة.

كما طالبت في بيان تلقّته”قدس برس” بتشكيل لجنة طوارئ وطنية موحدة وخلية أزمة فلسطينية، تتولى متابعة أوضاع اللاجئين والنازحين بشكل يومي، والتنسيق مع الأونروا والجهات اللبنانية والمؤسسات المعنية، مؤكدة أن العمل الفلسطيني الموحد هو السبيل لحماية اللاجئين وصون كرامتهم وحقوقهم.

إعلان حالة طوارئ وفتح المدارس للإيواء

بدورها، أطلقت “لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين”، إلى جانب “الحراك الفلسطيني المستقل” و”الفلسطينيين المهجرين من سوريا”، دعوة عاجلة إلى إدارة الأونروا في لبنان لتحمّل مسؤولياتها القانونية والإنسانية بشكل فوري.

وطالبت الجهات الموقعة بإعلان حالة الطوارئ فورًا، وبدء تنفيذ خطة إنسانية عاجلة لمواكبة مستجدات الحرب، وتوجيه نداء استغاثة إلى الجهات المانحة لتأمين التمويل اللازم لضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الإغاثة الغذائية، والإيواء الطارئ، والرعاية الصحية.

كما دعت إلى فتح مدارس الأونروا في منطقتي صيدا وطرابلس كمراكز إيواء مؤقتة لاستقبال النازحين من مخيمات صور وبيروت والبقاع، وتأمين الحد الأدنى من مقومات الكرامة الإنسانية لهم، إضافة إلى تعزيز التنسيق الميداني مع البلديات واللجان الشعبية والمؤسسات المحلية والدولية.

وأكدت أن المرحلة الراهنة لا تحتمل التردد أو البطء في الاستجابة، في ظل ما يواجهه اللاجئون من مخاطر حقيقية تهدد أمنهم الصحي والاجتماعي والمعيشي.

ومع هشاشة البنى التحتية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، يبدو أي تصعيد إضافي كفيلًا بإدخال المخيمات في أزمة إنسانية مفتوحة، ما لم تُتخذ خطوات استباقية سريعة ترتقي إلى مستوى الخطر.

في المحصلة، تبقى المخيمات الفلسطينية في لبنان الحلقة الأضعف في معادلة النار، تنتظر ما ستؤول إليه تطورات الميدان، فيما يعلو صوت التحذير من أن التأخر في الاستجابة قد يفتح الباب أمام انهيار يصعب احتواؤه لاحقًا.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة