النشرة
تؤكد مصادر فلسطينية مسؤولة لـ”النشرة” أن مخيمات لبنان دخلت في حالة من الاستنفار العام، ارتباطًا بالعدوان الإسرائيلي على لبنان المتزامن مع الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، وذلك بعد استهداف، مخيم البداوي في الشمال، ومخيم عين الحلوة في الجنوب.
وتوضح المصادر أن إعلان حالة الاستنفار في المخيمات يأتي كإجراء احترازي يهدف إلى رفع الجهوزية السياسية والشعبية، في ظل المخاوف من استهدافات جديدة قد تطال اللاجئين. غير أن هذا الاستنفار، لا يعني إطلاقًا اتخاذ قرار فلسطيني بالتدخل العسكري في المواجهة، خاصة في ظل واقع تسليم السلاح الثقيل للدولة اللبنانية واعتبارها الجهة المعنية بحماية المخيمات والدفاع عنها.
وهذا الموقف يعكس إدراكًا فلسطينيًا لحساسية الوضع اللبناني وتعقيداته، كما يعكس حرصًا على عدم تحويل المخيمات إلى ساحات اشتباك إضافية في حرب إقليمية مفتوحة. ومع ذلك، فإن المخيمات تبقى في موقع هشّ، كونها مناطق مكتظة بالسكان وتفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات الحماية في حال توسعت دائرة القصف أو التصعيد.
ورغم الإنذارات التي طالت مناطق جنوب الليطاني، حيث تقع مخيمات الرشيدية والبص والبرج الشمالي، إضافة إلى تجمعات فلسطينية في الشريط الحدودي، يؤكد المزاج الشعبي داخل المخيمات تمسكًا واضحًا بالصمود والثبات ورفض النزوح. فذاكرة اللجوء القاسية منذ نكبة عام 1948 وحتى اليوم تجعل فكرة التهجير مجددًا خطًا أحمر لدى كثير من اللاجئين الذين يرون في أي نزوح جديد خطوة قد تخدم أهداف إسرائيل بإفراغ المخيمات وفرض وقائع التوطين.
وفي مفارقة لافتة، لم تكتفِ بعض المخيمات بالصمود داخلها، بل فتحت أبوابها لاستقبال عائلات لبنانية نزحت من مناطق القصف، في مشهد يعكس طبيعة العلاقة المتشابكة والوطيدة التي تجمع الشعبين الفلسطيني واللبناني، وخاصة في أوقات الأزمات، ناهيك عن كونها رسالة وحدة في المصير ضد “عدو مشترك”.
لكن في موازاة هذا الصمود، ترتفع أصوات داخل المخيمات مطالبة القوى السياسية الفلسطينية على اختلافها، والسفارة الفلسطينية، ووكالة الأونروا، بوضع خطة طوارئ إغاثية واضحة تواكب احتمالات التصعيد. فالأزمة الاقتصادية الخانقة في لبنان، وتراجع القدرة الشرائية، كلها عوامل تجعل المخيمات في موقع بالغ الهشاشة في حال اندلاع مواجهة واسعة.
ويستحضر أبناء المخيمات تجربة الحرب السابقة خلال معركة إسناد غزة بعد عملية “طوفان الأقصى” في السابع من تشرين الأول 2023، حين عاش كثيرون ظروفًا إنسانية صعبة شعروا خلالها بأنهم تُركوا لمصيرهم. لذلك يتصاعد اليوم مطلب أساسي يتمثل في ضرورة الاستعداد المبكر لأي طارئ، بدل الاكتفاء بردود الفعل المتأخرة.
وكشف مسؤول فلسطيني بارز عن تحرك ثلاثي جمع الجانب الفلسطيني والدولة اللبنانية ووكالة الأونروا، أسفر عن تشكيل لجنة طوارئ–خلية أزمة برئاسة السفير الفلسطيني في لبنان محمد الأسعد، وتضم ممثلين عن فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والهلال الأحمر الفلسطيني، والضمان الصحي، والدفاع المدني، إلى جانب تجمع المؤسسات المدنية.
وقد عقدت اللجنة اجتماعها الأول في سفارة دولة فلسطين في بيروت بحضور رئيس لجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني السفير رامز دمشقية، والمديرة العامة لوكالة الأونروا دوروثي كلاوس، بهدف تنسيق الجهود وتأمين الاحتياجات الأساسية للاجئين في حال تدهور الأوضاع الميدانية.
وأكد السفير الأسعد على ضرورة متابعة التطورات العسكرية بدقة، والعمل على احتواء أي حالات نزوح محتملة خارج المخيمات حفاظًا على سلامة أبناء الشعب الفلسطيني، مع تعزيز التنسيق بين المؤسسات الفلسطينية ووكالة الأونروا والجهات اللبنانية والدولية.
من جهتها، عرضت المديرة العامة للأونروا كلاوس خطة الاستجابة الأولية لاحتمالات النزوح، مشيرة إلى تجهيز ثلاثة مراكز رئيسية لاستقبال النازحين وتقديم المساعدات الأساسية لهم، في سبلين بإقليم الخروب، والجرمق في البقاع الأوسط، إضافة إلى مخيم نهر البارد في شمال لبنان.
إلا أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، وفقا لمراقبين لا تكفي ما لم تترافق مع توفير الاحتياجات الأساسية من وجبات يومية وأدوية وسيارات إسعاف وأطقم طبية، بعيدًا عن ذرائع العجز المالي.
لذلك، وجّهت قوى سياسية ومؤسسات وجمعيات فلسطينية نداءً عاجلًا إلى وكالة الأونروا دعاها فيه إلى فتح مدارسها كمراكز إيواء فورية… وتشكيل خلية طوارئ مشتركة تضم موظفي الوكالة وممثلي المؤسسات والجمعيات لتنسيق الاستجابة الميدانية وتقديم الخدمات العاجلة للمتضررين. وأكدت أن مسؤولية الأونروا في أوقات الحرب تتعاظم ولا يمكن أن تتراجع، لأن حقوق اللاجئين الفلسطينيين لا يجوز أن تُعلّق تحت أي ذريعة.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو المخيمات الفلسطينية اليوم أمام معادلة دقيقة: استنفار واستعداد لمواجهة أي خطر محتمل، من دون اتخاذ قرار بالدخول في المواجهة العسكريّة، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة وجود خطة طوارئ حقيقية تحمي اللاجئين الذين يقفون مرة أخرى على تخوم حرب لا يملكون قرارها، لكنهم قد يدفعون ثمنها.