أبو شريف رباح
9\3\3026
تثير المواجهة العسكرية الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وإيران من جهة، جملة من الأسئلة التي لا تتعلق فقط بمستقبل هذه الحرب، بل بمستقبل التوازنات في الشرق الأوسط كله، فهذه المواجهة التي تتصاعد تدريجيا منذ أيام لم تعد مجرد تبادل ضربات عسكرية فقط بل تحولت إلى اختبار لقدرة الأطراف على الصمود في حرب استنزاف طويلة ومكلفة.
السؤال الأول: الذي يطرح نفسه يتعلق بقدرة إيران العسكرية ومدى امتلاكها مخزونا استراتيجيا يسمح لها بمواصلة القتال لفترة طويلة، فبعد ما عرف بحرب الاثني عشر يوما بدا واضحا أن طهران تعاملت مع تلك المواجهة باعتبارها إنذارا مبكرا لحرب أكبر ما دفعها إلى إعادة تنظيم قدراتها الدفاعية والهجومية والاستعداد لسيناريو مواجهة مفتوحة مع إسرائيل والولايات الولايات، وعلى الرغم من الخسائر التي لحقت بعدد من القيادات السياسية والعسكرية وترسانتها الصاروخية فإن القيادة الإيرانية تؤكد أن قدراتها العسكرية ما زالت سليمة ولم تتضرر بشكل حاسم، وأنها قادرة على مواصلة القتال لسنوات إذا استمر العدوان، والتقديرات تشير إلى أن إيران تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة التي يقدّر عددها بمئات الآلاف القادرة على ضرب القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة إضافة إلى استهداف العمق الإسرائيلي، كما أن دخول أطراف إقليمية حليفة إلى ساحة المواجهة مثل حزب الله في لبنان وأنصار الله في اليمن، إلى جانب عدد من الفصائل العراقية يعزز من قدرة طهران على إدارة حرب متعددة الجبهات وهو ما يضع خصومها أمام تحديات عسكرية واستراتيجية معقدة.
أما السؤال الثاني: فيتعلق بمدى قدرة إسرائيل على مواصلة الحرب في ظل ما تتكبدها من خسائر اقتصادية متزايدة نتيجة الضربات الصاروخية الإيرانية التي طالت عمق الكيان، فتعطلت الموانئ والمطارات والمنشآت الحيوية إضافة إلى تراجع الاستثمار والسياحة وهروب رؤوس الأموال، وهي عوامل تفرض ضغوطا هائلة على الاقتصاد الإسرائيلي الذي يجد نفسه أمام حرب طويلة قد تستنزف قدراته المالية والعسكرية في آن واحد، وفي المقابل تسعى كل من واشنطن وتل أبيب إلى إنهاء الحرب بأسرع وقت ممكن، فالإدارة الأمريكية ترى أن استمرار المواجهة لفترة طويلة قد يهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية ويؤثر بشكل مباشر على إمدادات النفط والغاز، فضلا عن الكلفة الاقتصادية والعسكرية المرتفعة التي تتحملها الولايات المتحدة، كما تعتقد دوائر القرار في واشنطن أن الضربات المتواصلة التي تعرضت لها إيران ربما أدت إلى استنزاف جزء كبير من ترسانتها الصاروخية ما قد يدفعها في نهاية المطاف إلى القبول بتسوية سياسية.
كما أن تقارير أمريكية تشير إلى احتمال وجود دعم غير مباشر تقدمه كل من روسيا والصين لإيران سواء عبر المعلومات الاستخبارية أو بعض أشكال الدعم العسكري والتقني وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويمنح طهران هامشا أوسع للمناورة في هذه المواجهة، غير أن السؤال الأكثر أهمية يبقى: من يملك قرار إنهاء هذه الحرب فالمؤشرات الحالية توحي بأن قرار وقفها لن يكون استسلام طهران التي تبدو مستعدة لخوض حرب استنزاف طويلة إذا فرضت عليها، وفي المقابل قد يكون الشخص الأكثر قدرة على اتخاذ قرار إنهاء المواجهة هو الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي يواجه ضغوطا داخلية متزايدة في الولايات المتحدة إلى جانب ضغوط أوروبية تدعو إلى وقف التصعيد والعودة إلى المسار الدبلوماسي، وفي نهاية المطاف يبدو أن الطريق الأقرب لإنهاء هذه المواجهة يمر عبر العودة إلى طاولة المفاوضات فيما يتعلق بالبرنامج النووي والصاروخي الإيراني، فالحروب مهما طالت تنتهي في الغالب بتسويات سياسية، لكن السؤال الذي يبقى مفتوحا هو، كم من الوقت والدماء والخسائر سيستغرق العالم قبل أن يصل إلى تلك التسوية؟