أيهم السهلي
«قد تختفي الأونروا قريباً عن الوجود»، هذا ما قاله مفوض وكالة غوث وتشغيل لاجئي فلسطين «الأونروا» فيليب لازاريني في الفقرة الأخيرة من مقالة له نشرها باللغة العربية في صحيفة «العربي الجديد» أول من أمس (23/3/2026).
تحمل مقالة لازاريني «الوداعية»، إذ ستنتهي ولايته في نهاية الشهر الجاري، تمهيداً سياسياً خطيراً، فهو بينما يتحدث عن إنهاء «الأونروا»، يذكر قرار مجلس الأمن رقم 2803 (17/11/2025) المتعلق بقطاع غزة، الذي نال تأييد 13 عضواً، وامتناع روسيا والصين عن التصويت. ويشمل القرار خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، المكوّنة من 20 بنداً، والتي تتضمن إنشاء «مجلس السلام» وقوة دولية مؤقتة تُنشر في غزة تحت قيادة موحدة يقبلها مجلس السلام.
ويورد لازاريني هذا القرار الأممي، بالقول: «في الأسبوع الماضي، كتبتُ مجدّداً إلى رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحثثتُ الدول الأعضاء على الاستفادة من القوى العاملة في أونروا وخبرتها باعتبارهما ركائز أساسية لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2803. ومن شأن ذلك أن يجنّب تكرار الخطأ الكارثي الذي تمثّل في إزالة الإدارة المدنية بأكملها في العراق عام 2003، وما ترتّب عليه من تقويض لفرص التعافي والسلام الدائم». فما قاله، وهو أرفع شخصية في «الأونروا» خطير جداً، إذ يتعامل مع أن عدم وجود «الأونروا» أصبح مسلّماً به، وليس لديه ما يقوله، بل لا يدافع عن وكالته، وعن دورها، وعن ضرورة وجودها باسمها ودورها وتفويضها. وهذا ما يجعل المتابع يحلل ظنياً بأن شخصيات ما في «الأونروا» ضالعة في إنهاء ولاية «الأونروا» و«سحقها».
اتسمت مدة عمل لازاريني بكثير من التقليصات في خدمات الوكالة. صحيح أنها لم تبدأ في عهده، لكنها تضاعفت حتى أصبحت في الأقاليم الخمسة في أدنى مستوياتها. وقد قال عن ذلك في رسالته: «بعد أكثر من عامَين من الهجمات الفعلية والسياسية والقانونية المتواصلة، ولا سيّما في الأرض الفلسطينية المحتلّة، وصلت أونروا إلى نقطة الانهيار»، وأشار إلى أن المخاطر المُحدقة بحقوق الفلسطينيين واستقرار المنطقة، جسيمة.
تعاني الوكالة الخاصة باللاجئين الفلسطينيين من أزمات مالية حادة، تفاقمت في السنوات الماضية. وأدت إلى تقليص في الخدمات المقدمة إلى الاجئين الفلسطينيين البالغ عددهم 5.9 مليون لاجئ فلسطيني مسجل لدى «الأونروا» في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وسورية والأردن. وبدءاً من شباط الماضي، قلصت الوكالة ساعات تقديم الخدمات، بنسبة 20%، وبالتالي رواتب معظم الموظفين المحليين. عدا عن التقشف المستمر منذ عام 2024، الذي أثّر سلباً على حصول ملايين الفلسطينيين على التعليم والرعاية الصحية وغيرها من الخدمات.
وعدا عن الضغط المالي الحاد، هناك عنف سياسي تمارسه إسرائيل ضد الوكالة لإنهاء ولايتها، وإغلاق ملف اللاجئين الفلسطينيين بشكله الحالي، لتتولاهم بعد ذلك، إما منظمات دولية كمفوضية اللاجئين التي لا ينطبق تعريفها للاجئ على اللاجئين الفلسطينيين، وإما يتم إخضاع قضيتهم إلى حل سياسي يشمل المنطقة كلها، فيتم توطينهم في البلدان العربية التي هم فيها، أو يهجرون إلى «وطن بديل»، أو إلى بلدان تقبل باستقبالهم.
وهذا العنف السياسي إضافة إلى إسرائيل، تشترك معها أميركا وبعض أوروبا، والدول العربية والإسلامية التي لا تواجهه، لا سياسياً، ولا مالياً بدفع النقص، أو دفع التزاماتها للوكالة على أقل تقدير.
محاولة إسرائيل إنهاء «الأونروا» عبر «القوانين»، والإجراءات الممارسة على الأرض بحق موظفيها ومقراتها، تنسجم مع السياسة الإسرائيلية، التي تعتبر أن «الأونروا» منظمة داعمة للإرهاب والكراهية، بحسب مسؤولين إسرائيليين، كقول رئيس لجنة العلاقات الخارجية والدفاع عضو الليكود يولي إدلشتاين: «إن الأونروا منذ وقت طويل كفّت عن أن تكون منظمة إنسانية، وإنما هي، علاوة على كونها داعماً عضوياً للإرهاب والكراهية، فإنها تؤبد مشكلة الفقر والمعاناة»، وقد قال ذلك عقب إقرار الكنيست في 28/10/2024 بالقراءة النهائية قانونين يرميان إلى وقف أنشطة «الأونروا» في المناطق الخاضعة لسيطرة الاحتلال.
ورغم أن إسرائيل تريد التخلص من «الأونروا»، إلا إنها بشكل أدق، تريد بتر السبب الذي وجدت من أجله، وهو مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، فإسرائيل تريد إزاحة هذا العبء التاريخي الواقع عليها، والذي تؤيده قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، على رأسها القرار 194 الذي يقر للاجئين الفلسطينيين حقهم في العودة والتعويض.
خلال ولاية دونالد ترامب الأولى في رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، عملت إسرائيل على إقناعه بقطع التمويل عن «الأونروا»، أي وقف مبلغ 300 مليون دولار سنوياً، ونجحت بذلك، وهذا أدى إلى أزمة كبيرة في التمويل، فواشنطن صاحبة الدعم الأكبر للوكالة منذ تأسيسها عام 1949. لاحقاً في عهد خلف ترامب جو بايدن، عاد التمويل جزئياً، لكن بشروط ثقيلة، تمت الموافقة عليها.
وخلال الحرب على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، بدا واضحاً أن «الأونروا» في مرمى الأهداف الإسرائيلية، وهي تريد إنهاء دورها في فلسطين مبدئياً، وقد شرّعت ذلك قانونياً في برلمانها، ورفضت أن يكون للوكالة أي دور في مستقبل قطاع غزة. كما قتلت بالفعل أزيد من 390 موظفاً أممياً هناك بحسب لازاريني، واتهمت 12 موظفاً بأنهم شاركوا في هجوم 7 تشرين الأول 2023. كما طردتها من مقراتها في القدس، وأعلن الاحتلال الاستيلاء على الأرض المقام عليها مقرّ «الأونروا» في المدينة، و«الإغلاق القسري للمدارس والعيادات الصحّية، وقطع المياه والكهرباء عن منشآتنا. وقد استُولي على المقرّ الرئيس للوكالة في القدس الشرقية، وتعرّض للنهب والحرق، فيما احتفى مسؤولون إسرائيليون كبار بتدميره خلال وجودهم فيه وعبر الإنترنت. كما دعا نائبٌ لرئيس بلدية القدس إلى ‘إبادة’ موظّفي الوكالة» كما قال لازاريني في مقالته.
* كاتب فلسطيني