في مشهد يعكس إصرارًا لافتًا على استعادة الحياة الأكاديمية رغم قسوة الواقع، بدأ التشغيل التجريبي لـ”المدينة الجامعية” في منطقة مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، ليشكل خطوة جديدة نحو إعادة التعليم الحضوري بعد انقطاع طويل فرضته الحرب.
وعند بوابة الموقع، بدت ملامح الفرح واضحة على وجوه الطلبة، حيث عبّر كثيرون عن شعورهم بأنهم يعيشون أول تجربة جامعية حقيقية، بعد أكثر من عامين من الاعتماد على التعليم الإلكتروني.
وتقول إحدى الطالبات إن دخولها القاعة الدراسية شكّل لحظة استثنائية أعادت لها معنى الانتماء إلى الحياة الجامعية، بعيدًا عن الشاشات والظروف الطارئة التي رافقت سنوات الحرب، بحسب “الجزيرة نت”.

ويأتي هذا المشروع، الذي أُقيم على مساحة تقارب 3 دونمات داخل مخيمات النازحين، بمبادرة من منظمة “علماء بلا حدود”، حيث جرى تجهيز سبع قاعات دراسية باستخدام هياكل بسيطة، لكنها وفّرت بيئة تعليمية أساسية تشمل الكهرباء والإنترنت والمقاعد والألواح التعليمية.
وشهد اليوم الأول من التشغيل مشاركة طلبة الجامعة الإسلامية، على أن يتم لاحقًا فتح القاعات أمام طلبة جامعات أخرى وفق آلية تنسيق وجدولة، في محاولة لتوسيع نطاق الاستفادة من هذه المبادرة.
وأكد طلبة أن العودة إلى القاعات الدراسية أعادت إليهم أجواء افتقدوها طويلًا، مثل التفاعل المباشر مع المحاضرين، والنقاش داخل الصف، والتواصل مع الزملاء. وأشار بعضهم إلى أن تلقي المعلومة داخل القاعة بات أسهل وأكثر وضوحًا مقارنة بالتعليم عن بُعد، الذي كان يفتقر إلى الاستقرار بسبب ضعف البنية التحتية.

من جهته، أوضح أحد طلبة كلية الطب أن التجربة أعادت له الشعور الحقيقي بالحياة الجامعية، خاصة مع قدرته على طرح الأسئلة مباشرة على المحاضر والتفاعل معه، بدل الاكتفاء بالتواصل عبر التطبيقات. لكنه أشار في الوقت ذاته إلى استمرار الحاجة إلى مختبرات علمية، لا سيما للتخصصات العملية التي تتطلب تطبيقًا ميدانيًا.
بدورهم، أكد أكاديميون أن التعليم الحضوري أسهم في تحسين مستوى الفهم لدى الطلبة، بعد مرحلة صعبة من التعليم الإلكتروني الذي لم يكن مكتمل الأدوات.
وأوضحوا أن التفاعل داخل القاعات ساعد في تقليص الفجوة التعليمية التي نتجت عن الانقطاع الطويل، رغم استمرار التحديات، خاصة في ضعف مستوى بعض الطلبة في المصطلحات الأكاديمية واللغة الإنجليزية.

وفي السياق، أشار القائمون على المشروع إلى أن إنشاء هذه القاعات جاء استجابة لحاجة ملحّة، في ظل صعوبة انتقال الطلبة من جنوب القطاع إلى مدينة غزة، وما يرافق ذلك من أعباء مالية ولوجستية.
وبيّنوا أن الهدف يتمثل في توفير بيئة تعليمية متكاملة قدر الإمكان، مع متابعة الملاحظات خلال المرحلة التجريبية تمهيدًا للتطوير.
ويرى مختصون أن التعليم الإلكتروني، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلًا كاملًا عن التعليم الحضوري، بل يظل خيارًا مساندًا، خاصة في ظل التحديات التقنية التي واجهها الطلبة خلال الحرب، وأدت إلى تراجع القدرة على المتابعة لدى شريحة واسعة منهم.
وتأتي هذه الجهود في وقت تشير فيه تقارير دولية إلى حجم الدمار الكبير الذي لحق بقطاع التعليم العالي في غزة، حيث تضررت الغالبية العظمى من الجامعات والمرافق التعليمية، ما جعل استئناف الدراسة الحضورية تحديًا معقدًا.
وبين مشاعر الفرح بعودة الحياة الجامعية، والقلق من استمرار التحديات، تبدو هذه المبادرة محاولة جادة لإعادة بناء المسار التعليمي لجيل كامل، في ظل آمال بأن تتوسع التجربة وتستمر، لتلبي احتياجات الطلبة في قطاع يعاني من أزمات متراكمة.