أيهم السهلي
الصراع مع إسرائيل في فلسطين والمنطقة، صراع على الأرض والوجود فيها. وبين صاحب الحق ومغتصبه حركة لا تتوقّف من محاولات الاقتلاع والسيطرة على الأرض، ومواجهة ذلك بالبقاء.
سنة 2026 ليست عادية بالنسبة إلى الفلسطينيين؛ فهي الذكرى التسعون لـ«الثورة الفلسطينية الكبرى» (1936 – 1939)، والخمسون لـ«يوم الأرض» (1976). بين الحدثين التأسيسيَّيْن في الوعي الفلسطيني أربعون عاماً من النضال والثورة والمحاولات الاستعمارية لاقتلاع الفلسطينيين. وقد نجحت إحدى المحاولات في «ذروة غربية» في المنطقة، فكانت النكبة 1948 التي شكّلت حدثاً تأسيسياً تعيش منذ يومه المنطقة بكوارث متعاقبة.
هذا النجاح الاستعماري، تمثّل في وضع كتلة بشرية متمايزة دينياً واجهة له في المنطقة، صنع لها دولة، عسكرها، ومنحها اقتصاداً، ومقدرات للحياة. وبموجب ذلك انسحبت دول الاستعمار القديم من المنطقة، بينما أصبح موجوداً مَن يقوم بالأعمال القذرة عنها. فـ«استقلّت» بلداننا العربية من الاستعمار الذي كان يُسمى تلطيفاً «انتداباً»، وأعلنت في عواصمنا حكومات وبرلمانات، وباتت هذه المنطقة المرسومة حدودها بالمسطرة دولاً رسمها وحدّدها «مهندسا الاستعمار» فرنسا وبريطانيا ومن معهما.
عاشت بلادنا وهْم أنها دول، ووهْم الاستقلال. ومع نشوء الحروب الأولى مع إسرائيل بعد النكبة، بدأت تتكشّف من هذه الدولة التي أُسّست في وسط المنطقة، في العدوان الثلاثي على مصر، ولاحقاً في حرب 1967، حين دمّرت إسرائيل «الجيوش العربية» واحتلت أراضيَ في كلّ من سوريا ومصر ولبنان، من دون أن تهتم لأحد في العالم العربي أو العالم. وانتظرت هذه الأمة حتى عام 1973، وعادت لتحارب. فذهبت مصر إلى «السلام» وأخذت سيناء، وتحرّرت القنيطرة في سوريا، التي عادت واحتُلت في عام 2024 مع قمة حرمون، وبقي محتلاً حتى اليوم الجولان وأرضٍ في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة.
أدرك الشعب العربي أن دوله وحكوماته «ورق»، فلم يتوهّم، وذهب في المسار الصحيح للمواجهة، فكان إمّا مناضلاً في بلده، أو ملتحقاً بالذين قرّروا مواجهة الاستعمار الغربي مُمثَّلاً بإسرائيل، فأتى أبناؤه إلى صفوف الثورة الفلسطينية، والتحقوا بها إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين. ولمّا انحرفت بعض قوى الثورة عن مسارها، انفضوا من حولها، وبعضهم ذهب ليبحث عن طريق جديد.
في المقابل، لمّا أدركت أنظمة العرب أن شعوبها أدركت الوهم، فتحت زنازينها، وفعّلت يد القمع التي لا بد أن الغرب باركها، فهو يخشى أن يشعر العربي بأنه يملك قراره، ففي ذلك خطر على المشروع الاستعماري في المنطقة. لذا، ورغم «التنظيف» عبر حقوق الإنسان والحيوان، لن يسمح الغرب للقدر أن يستجيب وللقيد أن ينكسر في بلادنا العربية، مع الاحترام لأبي القاسم الشابي. وإن قام شعب بثورة أو انتفاضة فسيتدخّل الغرب ووكلاؤه لتخريب البلاد، كما حدث في سوريا وليبيا والسودان وغيرها.
أدرك الشعب العربي أن دوله وحكوماته «ورق»، فلم يتوهّم، وذهب في المسار الصحيح للمواجهة، فكان إمّا مناضلاً في بلده، أو ملتحقاً بالذين قرّروا مواجهة الاستعمار الغربي مُمثَّلاً بإسرائيل
هل خرج الحديث السابق عن الثورة الفلسطينية الكبرى ويوم الأرض؟ لا، فالحدثان الفلسطينيان – العربيان، نتيجتان:
بدأت إرهاصات الحدث الأول من عشرينيات القرن الماضي، مع اندلاع هبّات عديدة ضد البريطانيين والهجرات اليهودية إلى فلسطين، ومنها «هبّة البراق» التي اندلعت بين 15 و29 آب 1929، بعد تظاهرة صهيونية عند الحائط الغربي للمسجد الأقصى (حائط البراق)، اندلعت مواجهات قُتل فيها 116 فلسطينياً وجُرح 232 معظمهم على أيدي الجيش البريطاني، وقُتل 133 يهودياً وجُرح 339. وامتدّت هذه الهبّة لتشمل مدن الخليل وصفد ونابلس وبيسان.
ولاحقاً في عام 1933، اندلعت تظاهرات وصدامات في القدس ويافا ضد الاستعمار البريطاني في فلسطين. وفي عام 1935، مع زيادة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، بدأ يتكشّف السلاح بين أيديهم. وكانت حالة الثورة تختمر، فهناك مجموعات يقودها الشيخ عز الدين القسّام تمهّد الأجواء، وتخوض معاركها، إلا أنه في تشرين الثاني 1935 استشهد الشيخ القسّام في أحراج يعبد. كل هذه الأوضاع مجتمعة وغيرها أيضاً، أدّت إلى اندلاع الثورة الفلسطينية الكبرى، وبعد وقت قصير على شرارتها، تشكّلت في 25 نيسان 1936 اللجنة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني لتنسيق ودعم الإضراب الذي انطلق في 8 أيار واستمر لستة أشهر كاملة حتى 11 تشرين الأول.
ومع أن اللجنة العربية العليا أوقفت الإضراب تحت ضغط السياسات القمعية البريطانية، وضغوط بعض الملوك والأمراء العرب، والعواقب الاقتصادية للإضراب، وقبل التعاون مع «لجنة بيل»، وهذا ساهم في خفض التصعيد، لكن ما إن أصدرت اللجنة تقريرها وتوصياتها بتقسيم فلسطين دولتين، يهودية وعربية، حتى عاد الفلسطينيون إلى إشعال الثورة بشدّة، بحسب «الموسوعة التفاعلية للقضية الفلسطينية».
أمّا «يوم الأرض»، فبدأت إرهاصاته عام 1975، مع محاولات الاحتلال الإسرائيلي الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين في مناطق 1948، تحديداً في الجليل، تحت ذرائع مختلفة، منها «التدريب العسكريّ» والاستيطان. في مقابل ذلك، أنشأ الفلسطينيون «لجنة مبادرة للدفاع عن الأراضي» في 29 تموز. وعقدت بدورها اجتماعاً في 14 آب في الناصرة، انبثق عنه «اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي»، وتقرّر إنشاء لجان محلّية في القرى للدفاع عن الأراضي، وعقد مؤتمر عام في مدينة الناصرة في 18 تشرين الأول 1975. وبالفعل عُقد، وصدرت عنه قرارات، منها المطالبة بوضع حدّ لسياسة مصادرة الأراضي العربية، كما بحث إمكانية الإضراب في حال لم يتراجع الاحتلال عن قرارات المصادرة.
بعد شهرين من المؤتمر صادر الاحتلال 3 آلاف دونم من أراضي كفر قاسم؛ وفي 29 شباط أعلن عن مصادرة 20 ألف دونم من أراضي الجليل في إطار خطة «تطوير الجليل». ورداً وتفاعلاً اتّخذت «اللجنة القطرية للدفاع عن الأراضي» قراراً في 6 آذار، بإعلان الإضراب العام في 30 آذار 1976.
وتحضّرت حكومة الاحتلال مدنياً وعسكرياً لإجهاض الإضراب ومنعه. وبدأت المواجهات في 29 آذار في قريتي دير حنا وعرّابة. وفي فجر «يوم الأرض» اقتحمت قوات الجيش والشرطة وحرس الحدود قرى ومدناً عربية، بواسطة دبابات ومدرّعات وسيارات عسكرية. وقمعت قوات الاحتلال الفلسطينيين، وأصدرت قراراً بمنع التجوّل، وقتلت في هذا اليوم: رجا أبو ريّا، وخضر خلايلة، وخديجة شواهنة من سخنين، وخير ياسين من عرّابة، ومحسن طه من كفر كنّا، ورأفت زهيري في الطيبة، كما جرحت نحو 50، واعتقلت أكثر من 300 فلسطيني.
ما سبق ليس استرجاعاً للتاريخ فحسب، فمن «الثورة» التي قدّمت سابقة في الإرادة الشعبية والمواجهة، و«اليوم» الذي كرّس الانغراس في الأرض، وما نحن فيه الآن، استفادة واختبار للمستقبل. و«ثورة اليوم» التي تقول: «كفى» في وجه الإبادة في غزة والضفة، والتوسّع في لبنان وسوريا، هي محاولة أمل تقول: «كفى» قد تكون الأخيرة لكي يستجيب القدر لنداء شعوب الأمّة العربية والإسلامية، وعدا ذلك لن تكون الأمّتان إلا على قدر القدم الغربية.
* كاتب فلسطيني