محمد موسى علوش
يمكن القول إنّ نتيجة عدوان 2024 وما رافقه من اغتيال القيادات، وسقوط حوالي 4 آلاف شهيد، وأسر عدد من المقاتلين، واحتلال بعض النقاط في الأراضي اللبنانية، إضافة إلى ما تلاه من قبول بإخلاء جنوب الليطاني وتسليمه للدولة، قد شكّلت مجتمعةً مرتكزاً أساسياً خرج على أساسه خصوم حزب الله وأعداؤه للقول إن الحزب قد هُزم.
وانطلاقاً من هذه السردية، تشكّلت مقاربة سياسية داخلية تمثّلت في قرارات حكومية هدفت إلى حصر السلاح ضمن مهلة زمنية، وتقييد العمل العسكري، وهو ما اعتبرته بيئة المقاومة استغلالاً لمرحلة صعبة مرّت ولا تزال تمرّ بها، خصوصاً في ظلّ استمرار الاعتداءات اليومية، مقابل أداء رسمي بقي في حدوده الدنيا.
ساهم هذا المسار في توليد حالة من الإحباط داخل هذه البيئة، لا نتيجة شكّ في قدرة المقاومة أو انتصارها، بل نتيجة ما اعتبروه يمثّل غياباً للحماية الرسمية، وعدم إيفاء الدولة بوعودها، وعدم قيامها بمسؤولياتها الوطنية، وانشغالها بمقاربات لا تعالج جوهر التهديد.
في المقابل، كانت سردية حزب الله تقوم على معادلة مختلفة، مفادها أنّه قد انتصر لأنه لم يسمح للعدو بتحقيق أهدافه، وفي مقدّمتها اجتياح لبنان، رغم ثمن التضحيات الكبيرة، وأنّ معيار الهزيمة والانتصار لا يُختزل بحجم الخسائر، بل في القدرة على منع العدو من فرض إرادته.
وبين هاتين السرديتين، بقيت بيئة المقاومة في معظمها على ثقة بقيادتها ومؤمنة بروايتها حول الانتصار، إلّا أنّ عدم ردّ المقاومة طوال ما يقارب 15 شهراً على الاستباحات الإسرائيلية، بالتوازي مع خطوات الحكومة المستنكرة من قبل هذه البيئة، سمح بتسلل بعض الهواجس وزيادة الإحباط.
اليوم، وفي ظل عدوان مستمر منذ مطلع آذار 2026، بدأت مؤشرات ميدانية واضحة توحي بأن المشهد لم يعد كما كان. فقد فاجأت المقاومة الجميع بحضورها السريع والفعّال على الحافة، وامتلاكها أسلحة نوعية، وتمكّنها من تدمير عشرات دبابات الميركافا، وإحباط محاولات الإنزال، وإسقاط طائرات مُسيّرة، إضافة إلى ضرب عمق فلسطين المحتلة وصولاً إلى تل أبيب، في مشهد يعيد صورة المقاومة ما قبل عدوان 2024 ومدى جاهزيّتها وقدراتها.
انطلاقاً مما تقدّم، وانطلاقاً من المنطق ذاته الذي استُخدم سابقاً للحكم بالهزيمة، يُطرح السؤال اليوم في الاتجاه المعاكس:
ماذا لو كانت نتائج الميدان هذه المرة مختلفة؟ ماذا لو انتصرت المقاومة؟ أو كما يفضّل وزير الإعلام تسميتها: ماذا لو انتصر حزب الله؟
على المستوى النفس–اجتماعي
إنّ الانتصار في هذا المستوى لا يُختزل بنتائج الميدان، بل يتمظهر أساساً في إعادة بناء المعنى داخل الوعي الجمعي لبيئة المقاومة، وفي إعادة تثبيت علاقتها بذاتها وبقيادتها.
فأول ما يتأثّر هو الإطار الذي تفهم من خلاله الجماعة ما يجري. خلال المرحلة السابقة، لم تنكسر هذه البيئة، لكنها دخلت في حالة من التوتر الناتج من التناقض بين ما تعيشه من استباحة يومية، وغياب الرد المباشر. هذا التوتر فتح المجال لتسلّل قدر من الإحباط والهواجس، لا يمسّان الإيمان بالمقاومة، بل يتعلقان بكيفية فهم سلوكها.
وعليه، فإنّ الانتصار يعيد توحيد هذا الفهم، بحيث تصبح الوقائع (من صبر سابق إلى انتصار لاحق) جزءاً من مسار واحد متماسك، ما يزيل التناقض الداخلي ويعيد الانسجام إلى الوعي الجمعي.
ثانياً، سيؤدي الانتصار إلى إعادة تثبيت وترسيخ الثقة بين القاعدة والقيادة. فما بدا خلال المرحلة السابقة كفجوة زمنية بين القرار والفعل انطلاقاً من مقولة سنردّ في الوقت المناسب، يُعاد تفسيره بوصفه إدارة واعية للصراع، لا عجزاً عنه، ما يعيد ترسيخ الثقة على أسس أقوى.
ثالثاً، سيتعزز اندماج الفرد في الجماعة، وتتحوّل المقاومة إلى تعبير عن الذات الجماعية. وهنا يتحوّل الالتفاف الشعبي من مجرد حالة تأييد إلى حالة ارتباط عميق يتجذّر بالهوية والانتماء.
رابعاً، سيتحوّل الضغط السابق إلى قوة نفسية دافعة، حيث تُعاد قراءة التجارب القاسية من اغتيالات واستباحات بوصفها جزءاً من مسار الصمود، ما يمنح الجماعة قدرة أكبر على التحمّل والاستمرار لاحقاً.
خامساً، سيؤدّي الانتصار إلى تعزيز التضامن الداخلي وإعادة إنتاج الروابط الاجتماعية داخل البيئة الحاضنة، بحيث يصبح الالتفاف حول المقاومة خياراً واعياً وفعلاً عقلانياً لا مجرّد رد فعل عاطفي أو ظرفي.
سادساً، سيتعزّز الرصيد المعنوي للصمود، أو ما يمكن تسميته بـ«الرأسمال الرمزي للصمود»، حيث تتحوّل تجربة الصبر الطويل، مقرونة بالفعل الميداني، إلى مصدر شرعية ومكانة وقوة معنوية يعيد تعريف موقع الجماعة في المجتمع.
سابعاً، سيؤدّي الانتصار إلى استعادة الاعتبار والكرامة الجماعية بعد الخطابات المعادية والتحريضية والاستفزازية التي مسّت بمكانة وكرامة بيئة المقاومة ومشاعرها، فالخطابات خرجت في الفترة السابقة عن إطارها السياسي إلى حدود التعرّض للبنية الاجتماعية والطائفية.
على المستوى السوسيو–سياسي
إذا كان الانتصار يعيد تشكيل الوعي، فإنه في هذا المستوى يعيد صياغة مفاهيم السلطة والشرعية.
إنّ الدولة الحديثة تقوم نظرياً على احتكار العنف المشروع، غير أنّ هذا الاحتكار يفترض القدرة الفعلية على تأمين الحماية. وعندما تعجز الدولة عن ذلك، وتتمكّن المقاومة من فرض معادلات ردع، فإنّ مفهوم الشرعية يدخل في حالة إعادة تعريف عميقة.
في هذا السياق، قد يتحوّل السلاح من كونه موضع نزاع سياسي إلى كونه ضرورة دفاعية في وعي شريحة واسعة من المجتمع، ما يعيد طرح سؤال جوهري: هل تُستمدّ الشرعية من النص القانوني وحده، أم من القدرة الفعلية على الحماية؟
ثانياً، سيؤدّي هذا التحوّل إلى إعادة طرح إشكالية وظيفة الدولة نفسها. فبدلاً من أن تُفهَم الدولة بوصفها إطاراً احتكارياً للقوة، قد تُطرَح نماذج أخرى تقوم على التكامل أو التنسيق بين مكوّنات القوة داخل المجتمع، خصوصاً في لحظات التهديد الوجودي.
وفي هذا السياق، لا بدّ من أن يتحوّل النقاش من مسألة شرعية السلاح إلى مسألة بناء استراتيجية دفاع وطنية تُنظّم العلاقة بين الدولة والمقاومة وتؤمّن الحماية الفعلية للبلاد.
ثالثاً، سيُعاد تشكيل الحقل السياسي الداخلي. فالقوى التي راهنت على ضعف وإضعاف المقاومة ستجد نفسها أمام واقع مغاير، ما يفرض عليها مراجعات سياسية وخطابية. وفي المقابل، سيتعزّز موقع المقاومة من جديد كفاعل مركزي لا يمكن تجاوزه في أي معادلة داخلية، ليس فقط على المستوى العسكري، بل أيضاً على المستوى السياسي.
رابعاً، سيُعاد إنتاج الخطاب السياسي العام. فالخطابات التي تجاوزت السقوف الوطنية خلال مرحلة الضعف، ستتراجع أمام الوقائع الجديدة، ما يفرض نوعاً من الانضباط السياسي وإعادة التموضع وفق ميزان القوى المستجد.
خامساً، قد يُفتح الباب أمام مساءلة سياسية وقانونية، حيث ستُطرح أسئلة حادّة حول القرارات التي قيّدت الفعل الدفاعي في ظل العدوان، وقد يصل النقاش إلى حدّ اتهام بعض المسؤولين بالتقصير الجسيم أو حتى بالخيانة العظمى، في سياق إعادة تعريف المسؤولية ووظيفة الدولة في لحظات الأزمات المصيرية.
على المستوى الجيو–سياسي
لا يمكن مقاربة أي انتصار محتمل بمعزل عن البنية الإقليمية للصراع. فالمواجهة لم تعد محصورة بجبهة واحدة، بل أصبحت جزءاً من ساحة صراع مترابطة.
وفي هذا السياق، يصبح ما يجري في لبنان مرتبطاً عضوياً بما يجري في الإقليم، خصوصاً في ظل المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
إنّ هذا الترابط يجعل أداء المقاومة في الميدان اللبناني جزءاً من ميزان قوى إقليمي أوسع، بحيث لا يُقرأ أي إنجاز بمعزل عن هذه المعادلة.
وعليه، فإنّ أي تقدّم تحقّقه إيران سينعكس على موقع المقاومة، والعكس صحيح، ما يجعل الانتصار نتيجة مُركّبة لتفاعلات متعددة لا نتيجة فعل منفرد.
وبالتالي، إنّ أيّ تسوية محتملة لن تكون محلية الطابع، بل ستأخذ بُعداً إقليمياً، وقد تتضمّن شروطاً تتعلق بدور المقاومة وموقعها، ما يحوّل إنجازها العسكري إلى ورقة تفاوضية وازنة.
في المحصّلة، إذا انتصرت المقاومة، فإنّنا لا نكون أمام حدث عسكري عابر، بل أمام تحوّل بنيوي متعدّد المستويات (النفسية، والاجتماعية، والسياسية، والإقليمية). وعليه، فإنّ السؤال لا يعود: ماذا لو انتصر حزب الله؟ بل: كيف يمكن أن يُعاد تشكيل التوازنات في لبنان والمنطقة في ضوء هذا الانتصار؟ (وما التسمية التي سيعتمدها وزير الإعلام ورئيس الحكومة: انتصرت «المقاومة» أم انتصر «حزب الله»؟).
* باحث في علم النفس الاجتماعي