آخر الأخبار

التدخّل العسكري الخارجي كصاعق تفجيري للحرب الأهلية

1

محمد سيد رصاص

كان لتشجيع ومشاركة حكومة بينظير بوتو في نشوء وتسليح ودعم حركة «طالبان» في عام 1994، من بين تلاميذ المدارس الدينية للاجئين الأفغان في باكستان، دوافع تتعلق بمحاولة منافسة باكستانية لإيران وتركيا على النفوذ في الجمهوريات المسلمة الناشئة حديثاً عقب تفكّك الاتحاد السوفياتي عبر الممر الأفغاني التي أملت رئيسة الوزراء الباكستانية بالسيطرة عليه من خلال تلك الحركة الجديدة، ذات القاعدة الباشتونية (60%من السكان)، بعد أن فشلت المخابرات العسكرية الباكستانية في تحقيق ذلك عبر قوات الزعيم الباشتوني قلب الدين حكمتيار أمام قوات الزعيم الطاجيكي (الطاجيك 30% من السكان) أحمد شاه مسعود الذي استولى على كابول في نيسان 1992 عقب انهيار الحكم الشيوعي برئاسة محمد نجيب الله.

كان استيلاء «طالبان» على العاصمة الأفغانية في 27 أيلول 1996 مؤدّياً إلى انقسام جغرا- سياسي-عسكري للبلاد بين جنوب ووسط باشتونيين وبين «تحالف شمالي» بقيادة مسعود ضمّ أيضاً الأوزبك (5%) والهازارا الشيعة (5%) ومن وراء هذا التحالف اصطفاف إقليمي هندي-إيراني-روسي، فيما ظلت الولايات المتحدة أقرب إلى «طالبان» التي دخلت في مفاوضات مع شركة «يونوكال» الأميركية لإنشاء خط للغاز عبر أفغانستان يمتد من حقول غاز تركمانستان العملاقة إلى ميناء كراتشي.

كان هذا التدخّل الخارجي الباكستاني مؤدّياً إلى حرب أهلية أفغانية استغرقت حتى (11 أيلول 2001) عندما تم ضرب برجَيْ نيويورك: أيضاً، عندما غزت القوات الأميركية بلاد الأفغان بعد أربعة أسابيع من ذلك الحدث النيويوركي فإن هذا كان مؤدّياً إلى حرب أهلية جديدة، أو إلى استئنافها بشكل أشد بين الباشتون الذين اصطفوا وراء «طالبان»، التي أسقطها الأميركيون من السلطة في كابول بسبب وجود تنظيم «القاعدة» في أفغانستان، وقوميات «تحالف الشمال» الذي دخل كابول تحت الحراب الأميركية ولو ليحكم من خلال واجهة باشتونية تمثّلت في حامد كرزاي.

ربما كانت الصورة المكثّفة لقوة الحرب الأهلية الجديدة متمثّلة في انضمام قوات حكمتيار ومحالفته «طالبان» منذ الاحتلال الأميركي لأفغانستان البادئ في خريف 2001 لمقاتلة «تحالف الشمال» ومن ورائه الأميركيون، فيما كان عند سقوط كابول عام 1996 رئيساً للوزراء لأشهر قليلة عند الرئيس برهان الدين رباني ووزير دفاعه شاه مسعود إثر مصالحة رعتها طهران لإسكات وتلاقي مدافعهم المتقاتلة منذ سقوط حكم نجيب، حيث ظل حكمتيار قوياً عند باشتون الشمال في ولاية قندوز، وبعد سقوط كابول بأيدي «طالبان» عام 1996 لجأ إلى العاصمة الإيرانية ووقف لخمس سنوات على الحياد في الصراع الأفغاني الجديد.

هنا، كان إحساس الباشتون (الحكام التقليديون لبلاد الأفغان) بالقهر الخارجي، الذي أدّى إلى تنصيب قوميات محلية أخرى حكاماً ومن ورائهم الظهير الأجنبي، مؤدّياً إلى اصطفاف كثيف وراء «طالبان» طوال سنوات ما بعد الغزو الأميركي 2001-2021 ولتأمين قاعدة اجتماعية قوية جعلت مقاومتهم، وبالذات منذ عام 2006، ذات فعالية كبرى، ما أدّى إلى وضع واشنطن في الزاوية الضيقة وجعلها تبحث عن حلول عبر تسوية مع تلك الحركة الأفغانية، رأيناها كيف جرت في الدوحة يومَ 29 شباط 2020 في عهد ترامب، ثم الانسحاب الأميركي الذي أعقبه دخول «طالبان» إلى كابول في عهد بايدن يومَ 15 آب 2021.

في عراق ما بعد 9 نيسان 2003 حصل سيناريو، ولو كان مختلفاً في بعض التفاصيل والمسارات، جعل بلاد الرافدين تدخل في حرب أهلية داخلية عقب الاحتلال الأميركي، حيث لم تكن المقاومة العراقية، التي ظلّت أساساً ذات قاعدة سنّية عربية وهم الذين كانوا (14% من السكان) حكاماً لبغداد منذ 1921، موجّهة فقط ضد المحتل الأميركي وإنما أكثر وأشد ضد القوى السياسية الشيعية-الكردية التي أتت بها الدبابة الأميركية لتكون واجهة لحكم بغداد. ولم تقتصر المواجهة على ضرب كوادر ومؤسسات وتنظيمات تلك القوى وإنما امتدّ هذا إلى محاولة استهداف قواعدها الاجتماعية وأحياناً الزعامات الدينية (اغتيال محمد باقر الحكيم في تفجير عند باب مسجد النجف الذي يضم المرقد في آب 2003، مثلاً).

وعملياً، فإن عدد الضحايا العراقيين لتلك المواجهات الأهلية كان يفوق بمئات المرات أعداد القتلى الأميركيين (حوالي 5000). تلك المواجهات التي أدّت إلى شروخ في الجسد العراقي لم تكن موجودة قبل دخول الأميركي إلى بلاد الرافدين، الذي لم يأخذ فقط شكل الغزو/الاحتلال وإنما أدّى إلى تغليب قوى سياسية عراقية، كانت ذات طابع طائفي وإثني من حيث الامتداد الاجتماعي، ما أدّى إلى تهميش فئة عراقية في مجملها الأعم كانت هي الخزان الاجتماعي لحكام بغداد في مرحلة ما قبل يوم 9 نيسان 2003، ولم ينفع في هذا المجال، كتعديل لهذا الوضع، دخول «الحزب الإسلامي: الفرع العراقي لجماعة «الإخوان المسلمين») ثم «الصحوات» (قوات عشائر سنية حالفت الأميركيين في مقاتلة تنظيم «القاعدة» منذ عام 2007) إلى التركيبة السياسية «الحاكمة».

ولا بعد ذلك مشاركة السنّة العرب الكثيفة (المترافق منذ عام 2008 مع تراجع المقاومة العراقية المسلحة) في «العملية السياسية» من خلال انتخابات برلمان 2010، حيث لم يؤدّ فوز «القائمة العراقية» في المرتبة الأولى، وهي التي استندت أساساً إلى أصوات السنّة العرب، إلى مشاركة فعالة في الحكم بعد أن أحبطت محاولات إياد علاوي لتولي رئاسة الحكومة بدلاً من نوري المالكي المدعوم من تحالف حزب «الدعوة» – آل الحكيم الذي يستند إلى الظهير الإيراني، والذي تولّى السلطة من جديد في تشرين الثاني 2010 بعد فشل علاوي في تأمين أكثرية برلمانية.

ورغم سقوط المالكي، بعد شهرين من سقوط الموصل في 10 حزيران 2014 بأيدي «داعش»، لم نرَ حتى عام 2026 تبديلاً في صورة تصدّر الأحزاب والحركات الشيعية الموالية لإيران للبرلمان وللحكومة، مع شعور سنّة العرب بالتهميش ومع عدم رضى الأكراد على حصتهم في خريطة البنية الحاكمة بالعاصمة بغداد.

في ليبيا ما بعد 17 فبراير/شباط 2011 كانت الثورة على حكم معمر القذافي ذات طابع مناطقي تسكنها فئات/قبائل محددة: منطقة برقة في الشرق ومنطقة الجبل الغربي، وكان استناد القذافي، الذي ظل مستمراً حتى إلى ما بعد سقوط مقره بباب العزيزية يوم 23 آب 2011 حتى مقتله في سرت في 20 تشرين الأول 2011، معتمداً على قبائل (مثلّث سرت-بني وليد-سبها) الذي كان الخزان البشري الأساسي للإدارة الليبية طوال أربعة عقود 1969-2011 وللجهازين الأمني والعسكري: في هذا الإطار كان الحسم في موازين القوى الليبية معتمداً على العامل الخارجي من خلال حلف الأطلسي (الناتو)، وليس من خلال ميزان محلي كانت مؤشراته في مواجهات القذافي مع المعارضة المحلية المسلحة في آذار 2011-آب 2011 تشير إلى رجحان إمكانية الحسم العسكري لصالح قوات القذافي التي تحشّدت عند مداخل بنغازي قبل أن تدمّرها الطائرات الفرنسية.

هنا، لم يؤدّ سقوط باب العزيزية إلى انفضاض تلك القاعدة الاجتماعية عن القذافي، بل إلى إلى لجوئه هو وبقايا نظامه إلى مناطق ذلك المثلّث، الذي بالتأكيد دفعت المصالح، والخوف من المستقبل، غالبية سكانه إلى الانحشار في زاوية ضيقة مع المغلوب، وهو ما تجسّد لاحقاً في الشعبية التي نالها سيف الإسلام القذافي حتى مقتله في شباط 2026. حيث يندفع من يشعر بالفقدان للامتيازات والأوضاع السابقة إلى أن يكون خزاناً اجتماعياً لعوامل عدم الاستقرار والتمرد وربما المقاومة، بأشكالها المتعددة، ولو أن هذا لم يدفع أنصار القذافي، وابنه، في فترة 2012-2026، إلى استخدام السلاح ضد الحكام الجدد، كما حصل في كابول 1996 وكابول 2001 وبغداد 2003.

بل شكّلوا خطاً سلمياً ثالثاً يختلف عن الإسلاميين الموالين لتركيا في الغرب وعن قوات اللواء خليفة حفتر في الشرق المدعومة من مصر والإمارات، الذين دخلوا في مواجهات مسلحة عامي 2019 و2020 تمّ تسكينها بفعل خارجي مع سرت (كخط فاصل بين الشرق والغرب). وربما لهذا السبب تمّ اغتيال سيف الإسلام بعد أن أصبح منافساً جدّياً في الانتخابات الرئاسية المتوقّعة في ليبيا التي من المُرجّح أن يكون التنافس فيها بين رئيس الحكومة المقيم في طرابلس عبد الحميد الدبيبة واللواء حفتر أو أحد أبنائه.

بالمجمل: تجارب التدخل العسكري الخارجي، الباكستاني في كابول 1994-1996 والأميركي في كابول 2001 والأميركي في بغداد 2003 وقوات حلف «الناتو» في ليبيا 2011، لم تقد إلى استقرار داخلي، بل يمكن القول إنها كانت صاعقاً مفجّراً للبنية المجتمعية الداخلية في البلدان الثلاثة المذكورة، وفي الحالات الثلاث قادت إلى الحرب الأهلية.
* كاتب سوري

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة