بقلم الدكتور وسيم وني – عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين
في زمنٍ يُفترض أن تكون فيه القوانين مرآةً للعدالة، لا أداةً للانتقام، يبرز قانون إعد…ام الأسرى الفلسطينيين كأحد أخطر التحولات القانونية والسياسية التي تمسّ جوهر الإنسان وحقه في الحياة. هذا القانون لا يمكن قراءته كنصٍ تشريعي عابر، بل كعلامة فارقة في مسار الصراع، وكاختبار حقيقي لمدى التزام المجتمع الدولي بالمبادئ التي طالما تغنّى بها ، فحين تُشرعن العقوبة القصوى في سياقٍ معقّد ومشحون، يصبح السؤال: هل ما زال القانون أداةً لتحقيق العدالة، أم تحوّل إلى وسيلة لتكريس القوة وفرض الهيمنة؟
القانون كأداة: من حماية الحقوق إلى سلب الحياة
القوانين في جوهرها وُجدت لتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات، وحماية الحقوق الأساسية، وعلى رأسها الحق في الحياة ، لكن حين يتم توظيف القانون لإضفاء شرعية على إنهاء حياة الأسرى، فإننا نكون أمام انقلابٍ خطير في وظيفة التشريع، فبدل أن يكون القانون حصنًا للإنسان، يصبح أداةً لإلغائه، ما يطرح تساؤلات عميقة حول فلسفة العدالة وحدود السلطة.
الأسرى في ميزان القانون الدولي الإنساني
وفقًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، يُعتبر الأسرى أشخاصًا يتمتعون بحماية خاصة، بغضّ النظر عن طبيعة النزاع ، وقد جاءت اتفاقيات جنيف لتؤكد بشكل واضح أن الأسرى يجب أن يُعاملوا معاملة إنسانية في جميع الأوقات، وأن تُصان كرامتهم، ويُمنع تعريضهم لأي شكل من أشكال العقوبات التعسفية أو المعاملة القاسية أو المهينة.
كما أن فرض عقوبة الإعد…ام على الأسرى، خصوصًا في سياق نزاع طويل ومعقّد، يتعارض مع روح هذه الاتفاقيات، التي تهدف أساسًا إلى الحد من آثار الحروب، لا تعميقها.
اتفاقية جنيف الثالثة: حماية واضحة للأسرى
وتنص اتفاقية جنيف الثالثة على مجموعة من الضمانات القانونية للأسرى، من بينها الحق في محاكمة عادلة، وحق الدفاع، وضرورة أن تتم أي إجراءات قضائية وفق معايير دقيقة تضمن النزاهة والاستقلال. كما تشدد الاتفاقية على ضرورة أن تكون العقوبات متناسبة، وألا تُفرض إلا ضمن إطار قانوني صارم يحترم الحقوق الأساسية ، وفي هذا السياق، يثير قانون إعد…ام الأسرى إشكاليات جوهرية، إذ يُخشى أن يتم تطبيقه في بيئة تفتقر إلى التوازن، ما يُفقد المحاكمة معناها الحقيقي.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: الحق في الحياة أولًا
يُعد العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من أهم المرجعيات القانونية الدولية التي تحمي حق الإنسان في الحياة ، ورغم أن بعض الدول لا تزال تُبقي على عقوبة الإعد….ام، إلا أن العهد يضع قيودًا صارمة على تطبيقها، ويشدد على أنها لا تُستخدم إلا في أضيق الحدود، وضمن ضمانات قضائية مشددة ، كما أن الاتجاه العالمي يسير نحو إلغاء هذه العقوبة، أو على الأقل تجميدها، ما يجعل أي تشريع يُعيد تفعيلها في سياق نزاع سياسي خطوة إلى الوراء في مسار حقوق الإنسان.
مبدأ عدم التمييز وحماية الكرامة الإنسانية
ومن المبادئ الأساسية في القانون الدولي، مبدأ عدم التمييز، الذي يفرض معاملة جميع الأفراد على قدم المساواة أمام القانون ، وعندما يُستهدف فئة معينة—كالأسرى الفلسطينيين—بتشريع خاص يجيز إعدامهم، فإن ذلك يثير شبهات قوية حول التمييز، ويضعف من مصداقية النظام القانوني.
كما أن الكرامة الإنسانية، التي تُعد حجر الأساس في جميع المواثيق الدولية، تصبح مهددة عندما يتم التعامل مع حياة الإنسان كأداة سياسية.
مسؤولية المجتمع الدولي: اختبار حقيقي للمبادئ
إن صدور مثل هذا القانون لا يضع الجهة التي أقرّته فقط تحت المجهر، بل يضع المجتمع الدولي بأسره أمام مسؤوليات، فالصمت أو الاكتفاء بالإدانات الشكلية قد يُفهم على أنه قبول ضمني، ما يشجع على تكرار مثل هذه التشريعات في أماكن أخرى.
كما أن حماية الأسرى، وضمان حقوقهم، ليست مسؤولية طرفٍ واحد، بل هي التزام جماعي يجب أن يُترجم إلى مواقف واضحة وإجراءات ملموسة.
الأبعاد الإنسانية: ما وراء الأرقام والنصوص
وراء كل أسير حكاية إنسانية لا تختصرها التقارير ولا الأرقام ، هناك عائلات تنتظر، وأمهات يترقبن، وأطفال يكبرون على أمل اللقاء ، إن تحويل هؤلاء الأسرى إلى أهداف لعقوبة الإعدام لا يعني فقط إنهاء حياتهم، بل يعني أيضًا إحداث شرخ عميق في النسيج الإنساني والاجتماعي.
كما أن القوانين التي لا ترى الإنسان خلف القضية، تتحول مع الوقت إلى أدوات قاسية تفقد معناها الأخلاقي.
تداعيات مستقبلية: نحو مزيد من التعقيد
لا يمكن النظر إلى هذا القانون بمعزل عن تداعياته المستقبلية، سواء على مستوى الصراع أو على مستوى النظام القانوني الدولي ، فمثل هذه التشريعات قد تفتح الباب أمام ردود فعل متبادلة، وتُسهم في تعقيد المشهد، بدلًا من تهدئته، كما أنها تُضعف الثقة بالقانون كوسيلة لحل النزاعات، وتدفع نحو خيارات أكثر حدة.
وفي النهاية قانون إعد…ام أسرانا الفلسطينيين ليس مجرد نصٍ قانوني، بل هو مرآة تعكس واقعًا مضطربًا، وصراعًا بين منطق القوة ومنطق العدالة ، وبينما تتجه الإنسانية نحو تعزيز حقوق الإنسان وتقليص العقوبات القاسية، يأتي هذا القانون ليطرح تساؤلًا كبيرًا: هل ما زال العالم قادرًا على حماية القيم التي يؤمن بها؟
إن العدالة الحقيقية لا تُبنى على إنهاء الحياة، بل على صونها، ولا تتحقق عبر التشدد، بل عبر الإنصاف ، وفي نهاية المطاف، سيبقى القانون إما شاهدًا على إنسانية البشر… أو دليلًا على غيابها.