أيهم السهلي
في ظاهره، يبدو قانون إعدام الأسرى، الذي صادق عليه «كنيست» الاحتلال، جديداً. غير أنه، في جوهره، ليس جديداً سوى من ناحية التشريع؛ إذ لم يكن مقتل 89 أسيراً خلال عامَي الحرب على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية سوى عمليات إعدام نُفّذت بأشكال مختلفة، بينها التعذيب. ولطالما مارست إسرائيل انتهاكات كبيرة بحق الأسرى في سجونها، إلا أن هذه الانتهاكات شهدت تصعيداً ملحوظاً منذ تولّي حكومة اليمين الحالية مقاليد السلطة، في كانون الأول/ ديسمبر 2022، أي حتى قبل هجوم حركة «حماس» على المستوطنات المحيطة بقطاع غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023.
ومع تولّي إيتمار بن غفير وزارة «الأمن القومي»، المسؤولة عن إدارة السجون، أصبح استهداف الأسرى سياسة علنية تمارسها مصلحة السجون. وشملت الإجراءات التي اتُّخذت وقتذاك: تقييد الزيارات للأسرى، وإلغاء الإفراج الإداري، وتقليص وقت الاستحمام، إلى جانب تدابير أخرى. وحظيت تلك السياسات بدعم حكومي، فيما تواطأت معها محاكم الاحتلال، مثلما حدث في منتصف الشهر الماضي حين برّأت «النيابة العسكرية» 5 جنود من تهم الاعتداء الجنسي على أسرى فلسطينيين في معتقل «سدي تيمان».
والجدير ذكره، هنا، أن قانون الإعدام ينصّ على أنه «لن يسري بأثر رجعي»، لكنّه سيطبّق على الوقائع اللاحقة لدخوله حيّز التنفيذ. أمّا في ما يتعلق بأسرى «7 أكتوبر»، فقد صادقت لجنة في «الكنيست؛ على مشروع قانون منفصل بعنوان «قانون محاكمة المشاركين في أحداث السابع من أكتوبر»، ينصّ على إنشاء محكمة عسكرية خاصة بهم، تتمتّع بصلاحية فرض عقوبة الإعدام، إلى جانب تدابير أخرى.
مع ذلك، فإن جميع الأسرى الآن في السجون، والذين يصل عددهم إلى أكثر من 9500، بينهم 73 أسيرة، 350 طفلاً، 3442 معتقلاً إدارياً، يعانون من التعذيب والتنكيل والإهانة الجسدية والنفسية. كما استشهد 325 أسيراً معروفة هويّاتهم، فيما لا تزال جثامين بعضهم محتجزة في الثلاجات. وتكشف شهادات عدد من الأسرى أن بعض هؤلاء وصل إلى حافة الموت تحت التعذيب، فيما تعرّض آخرون للقتل من دون اكتراث من السجانين.
وكانت منظمة «بتسيلم» أصدرت، في آب 2024، تقريراً بعنوان «أهلاً بكم في جهنم»، تضمّن إفادات للعديد من الأسرى، تحدثوا فيها عن التنكيل الذي طالهم في سجون الاحتلال. ومن ذلك ما جاء في إفادة (ع. هـ.) في الصفحة الـ38 من التقرير، حيث يقول: «حملوني وأجلسوني على إطار مغسلة حديديّ. جلبوا أسيرين آخرين وأمروهما أن يشاهدا عملية ضربي. كنت لا أزال عارياً، وقد رأيتهم عبر القميص الرقيق الذي كان يلفّ رأسي. كان السجانون يشدّون شعرهما لكي يرفعوا رأسيهما ويجبروهما على فتح أعينهما ومشاهدة ضربي».
أما فؤاد حسن، فيقول في إفادته في الصفحة الـ39: «ركلني أحدهم على رأسي، ففقدتُ الوعي. عندما استعدتُ وعيي استمرّوا في ضربي. بعد ذلك أوقفوني وصوّروني والعلم خلفي. ثمّ أخذوني إلى خارج الغرفة وضربوني مرّة أخرى، حتى فقدتُ الوعي ثانية. استيقظتُ عندما قال أحدهم: لقد مات، لقد مات بالعبرية، ابتعِدوا عنه. طلب مني أن أقوم وأغسل وجهي في الحمّام، رأيتُ أن جسمي كلّه مغطى بالدم، وكنتُ أنزف من أنفي وفمي ورأسي أيضاً».
وبدوره، يقول (م. أ.)، في الصفحة 73 من التقرير، إنه «في 18.11.23 جاء السجّانون لإجراء العدد، مُحضرين معهم عناصر من وحدة خاصّة ملثّمين وبحوزتهم هراوات ذات قطع حديديّة ناتئة. أحصانا السجّانون. كانت الطريقة أن ينادي السجّان الاسم الشخصيّ للسجين، وعلى السجين أن يقول اسم عائلته، بينما نحن جالسون جلسة الضفدع». ويتابع أنه في ذلك اليوم، وبعد انتهاء التعداد، «نادى أحد السجّانين اسم ثائر مرّة أخرى، فأجابه ثائر: أبو عصب». وبعدها، «قال السجّان: ثائر، مرّة أخرى، وردّ ثائر: أبو عصب، مرّة أخرى. نادينا ثائر باسمه عدّة مرّات، لكنّه لم يجب. سال القليل من الدم من رأسه، ورأينا أن لون جسمه تغيّر وأصبح أكثر قتامة. أعتقد أن ذلك كان بسبب نزيف داخلي».
ويضيف: «نادينا السجّان وصرخنا طوال ساعة لكنه لم يردّ علينا. ثمّ جاء سجّان عمل أيضاً كمسعف. طلب منّي أن أشمّر قميص ثائر. عندما رفعتُ القميص كان بطنه منتفخاً وداكن اللون. اتّصل السجّان/المسعف بالضابط. حضر ضبّاط كثيرون وأرغمونا، نحن السجناء السبعة الآخرين، على الانزواء في المرحاض – مساحته متر مربّع واحد -. بعد أن حشرونا هناك أخذوا ثائر وغادروا»، مشيراً إلى أنه «بعد خمس دقائق حضر سجّان وفتح باب المرحاض وأخبرنا بأنّ ثائر قد مات».
وفي الليلة نفسها، حسبما يقول أشرف المحتسب في إفادته (صفحة 74)، هاجم «عناصر وحدة كيتر معتقلين في زنازين أخرى، بحدّة جعلت صراخهم يعمّ أرجاء السجن»؛ وفي اليوم التالي، «علمنا بأن عناصر وحدة كيتر قتلوا الأسير ثائر أبو عصب». ويتابع أنه «في تلك الليلة أقام السجّانون حفلة في القسم 21: شغّلوا موسيقى صاخبة ورقصوا مع الجنديّات وشتموا حماس والسنوار».
أما عاطف عواودة، فيتحدث، في إفادته في الصفحة 78، حول سوء التغذية والإهمال الطبي الذي يعانيه الأسرى إلى حدّ الموت. يقول: «كان الطعام الذي جلبوه جافاً يخلو من المركبات المطرّية. معظم ما أحضروه كان عبارة عن البقوليات»، مشيراً إلى أن الأسير محمد الصبار «ممنوع من تناول» هذا النوع من الطعام «لأنه يسبب له انتفاخ الأمعاء». ويضيف أن الصبار «عانى في المرحلة الأولى من الإمساك الشديد، ولمدّة 12 يوماً لم يتبرّز. تحدثتُ إلى إدارة السجن وطلبتُ أن يحضروا حقنة شرجية لمساعدته على التخلّص من الفضلات.
وبعد طلبات عديدة أحضروا له الحقنة». ويلفت عواودة إلى أن الصبار كان يعاني، في تلك المرحلة، من «فقدان الذاكرة وصعوبة في النظر. لم يكن يعلم حتى كم من الوقت قضى في السجن. (…) كان بطنه منتفخاً طيلة الوقت». ويضيف: «علمت بعدما تحرّرت في 31/1/2024 بأن محمد الصبار توفي في السجن».
هذه الإفادات هي غيض من فيض حكايات مؤلمة كثيرة، لم ولن تبدأ مع قانون الإعدام، ولن ينهيها الإضراب الشامل الذي أعلنت عنه حركة «فتح» في الضفة الغربية، والتزمت به الفصائل الفلسطينية. وحدها الانتفاضة الشاملة يمكن أن تنهي هذا الوضع، الذي لولا الخرس الفلسطيني والعربي الطويل لما وصلنا إليه أصلاً. ولولا أن الشيخ الشهيد خضر عدنان أو عائلته أو عوائل الكثير من الأسرى تُركوا وحدهم للاعتصام من أجل أسراهم، لما شهدنا ولادة هذا القانون الذي يستكمل مراحل إعدام الشعب الفلسطيني.