آخر الأخبار

لماذا تحارب إسرائيل؟

1-1-1-rk06ez8s9fl5acu3r3eahr7mqgcew1jtqbh05si6b4

أيهم السهلي

الحرب الدائرة في المنطقة، دفعتني إلى البحث عن كتب ومقالات تناولت الحروب الإسرائيلية، فاستوقفني كتاب «إسرائيل وتجربة حرب لبنان.. تقويماتُ خبراء إسرائيليين» من إعداد رضى سلمان ورندة شرارة ويولا البطل، ومراجعة سمير جبور وخالد عايد، وهو من إصدارات «مؤسسة الدراسات الفلسطينية» عام 1986. يشمل الكتاب الذي يعالج الغزو الإسرائيلي للبنان بعد اجتياحه عام 1982، مجموعة من القراءات والآراء لمسؤولين وقادة عسكريين إسرائيليين، فضلاً عن خبراء وباحثين في شؤون الصراع العربي – الإسرائيلي، وصحافيين.
من ضمن تلك الأسماء أرئيل شارون، الذي شمل الكتاب مقالة له كتبت في ثلاث حلقات في صحيفة «يديعوت أحرونوت».

في الحلقة الثانية (31/5/1985) بعنوان «عملية سلامة الجليل في مرآة الحروب الماضية» يتحدّث شارون عن الحروب التي تخوضها إسرائيل، ويعتبر أن جميع حروبها «سياسية» و«حروب خيار». ويعدد أمثلة، كإيجاد نظام جديد في مصر، وإسقاط عبد الناصر، ومنع قيام نظام جديد في الأردن، والمطالبة بالسيادة في سيناء، وضم مناطق «أرض – إسرائيل والجولان»، وتأمين المصالح الاقتصادية، وعدم الخضوع للضغط والانسحاب «من دون سلام بالشروط التي نريدها». ويستشهد في مقاله بحروب ومعارك خاضتها إسرائيل كما يقول بسبب خطر «انطلقنا لإزالته في حرب الاستقلال وفي احتلال النقب وإيلان وعين – جدي، أو الناصرة. وماذا عن احتلال شرم الشيخ (مرتين)، وفي المعارك الدامية طوال أعوام على امتداد قناة السويس» لأن هناك «خطراً على الييشوف أو على جزء منه».

ولو قسنا هذا الكلام على حروب إسرائيل اليوم، لاستنتجنا الكلام ذاته الذي قاله شارون قبل أكثر من أربعين عاماً. فعندما خاضت إسرائيل حربها على لبنان عام 1982، كانت تهدف إلى تدمير منظمة التحرير الفلسطينية، وإقامة نظام جديد في لبنان، والسيطرة على مناطق تتمكن عبرها من تهديد دمشق، والإشراف على الأراضي السورية والتركية والعراقية والأردنية والمصرية، ومنحدرات جبل الشيخ، وشمالي بحيرة القرعون. واليوم، حققت إسرائيل بعض الأهداف، فهي تسيطر على قمة حرمون، وتطل على عواصم كبرى، وتريد التوسع، وتعلن أنها تريد إنهاء «حزب الله»، هذا ما يقوله نتنياهو وحكومته، وذلك ما قاله مناحيم بيغن وحكومته. وهذا بيغن نفسه الذي نال جائزة نوبل للسلام مع أنور السادات بعد توقيع معاهدة السلام مع مصر.

يكمل شارون في مقالته، مجيباً عن سؤال «متى نخرج إلى الحرب؟»، يعود إلى يغال آلون الذي يقول في كتابه «ستار من الرمل» (1969) بأن «لإسرائيل الحق، في حالات أربع، في أن تبحث في ضرورة وصحة اجتياز خط وقف إطلاق النار، من أجل غارة قصيرة أو من أجل بقاء أطول» ويحدد الحالات هذه بالتالي: «من أجل إزالة أسباب الحرب الصغيرة والإرهاب والتخريب، التي تنفذ ضدنا من قواعد تقع وراء خط وقف إطلاق النار، ولا يمكن كبحها بوسائل أكثر محدودية». أمّا الثانية، فهي «من أجل مدّ يد العون إلى حلفاء محتملين في بلدان مجاورة». والثالثة «في حال حدوث تغيير خطر يهدد الوضع الراهن في إحدى الدول المجاورة». بينما الرابعة «في حال الهجوم، أو حشد قوات معادية للهجوم». لكنه يؤكد على ضرورة «درس كل حال بحذر وشجاعة، في ضوء ظروف».

ويضيف شارون تحت عنوان «استباقية وصغيرة أفضل من متأخرة وكبيرة»، أيضاً نقلاً وتبنّياً لآلون الذي يؤكد على ضرورة أن تكون الحرب سياسية وحرب خيار «يفضل أن تكون أيضاً حرباً استباقية (أو حرباً وقائية)» ويوضح ضرورة أخذ المبادرة الأولى «حتى لو أدين بسبب ذلك من جانب قسم كبير من الرأي العام الدولي». ويطرق شارون مثالاً مستنداً إلى شمعون بيريز في حرب سيناء فينقل عنه من مقال له في «هآرتس» (28/10/1966): «كانت عملية سيناء بديلاً من حرب شاملة وفي موعد متأخر. لقد كانت حرباً محدودة بدلاً من حرب شاملة. فما هي القاعدة؟ كنا نملك العديد من الدلائل والمنطق العام على أن عبد الناصر سيهاجمنا».

الاقتباس السابق لشارون في ختام المقال لم يمنعه داخلها من انتقاد بيريز لأنه في حرب 1982 كان قد غيّر مفهومه عن الحرب، فذكر شارون منتقداً اليسار الإسرائيلي حينها الذي كان يعتبر أن الحرب المسموحة هي الحرب الأمنية، وحرب اللاخيار، أي فقدان إمكانية الحل. فيلجأ أيضاً إلى مقالة لبيريز في «هاعير» (25/6/1982) يقول فيها: «يجب شن الحرب عندما لا يكون لدينا خيار، ويجب الانسحاب من المناطق عندما يكون لدينا خيار»، ويضيف: «دخلنا الحرب في الوقت الذي كان لدينا خيار، ونحن نخرج عندما نفتقر إلى خيار». ومن جملة رد شارون عليه: «وما دمنا نتمسك بالحياة، فإننا لن نتبنى هذا المعيار» أي خوض الحرب لانعدام الخيار أمام الحكومة الإسرائيلية.

مرّت عقود أربعة على قول شارون، الذي يرجع إلى بن غوريون، الذي يعتبره أيضاً خاض الحرب لاحتلال فلسطين كحرب سياسية، وهو يمتلك الخيار «كنا حتى الهدنة الأولى ندافع عن أنفسنا. ثم أخذنا، بعد ذلك، ننفذ بصورة أساسية عمليات سياسية بوسائل عسكرية».
منطق شارون 1982، وبيريز 1966، وبن غوريون 1948، هو منطق نتنياهو 2026، ومنطق كل حاكم لإسرائيل بعد حين، فالمطلوب دائماً إيجاد الذريعة الأمنية، وخوض الحرب السياسية، وخلق الخيار، وهو الاحتلال باسم «الأمن» من أجل «التوسع»، ومن بعده الهيمنة.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة