آخر الأخبار

“الخط الأصفر” في جنوب لبنان… مشروع “إسرائيلي” لفرض وقائع ميدانية تحت غطاء أمني

20260417112746

مازن كريّم

في مشهد يستحضر ما جرى في قطاع غزة، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي إنشاء ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” في جنوب لبنان، كمنطقة عازلة تمتد بمحاذاة الحدود، وتشمل عشرات القرى اللبنانية التي مُنع سكانها من العودة إليها، وسط استمرار عمليات التدمير والنسف للمنازل، رغم سريان اتفاق لوقف إطلاق النار.

ويفتح هذا التطور الباب أمام قراءات وتحليلات متعددة لا تقتصر على البعد العسكري، بل تمتد إلى الأبعاد القانونية والسياسية والاستراتيجية والإنسانية، في ظل تداخل الوقائع الميدانية مع حسابات الردع، ومحاولات إعادة رسم قواعد الاشتباك، إلى جانب تباين واضح في تفسير أهداف هذا التصعيد.

في هذا السياق، يؤكد العميد الركن المتقاعد والخبير العسكري منير شحادة أنه لا يوجد توصيف قانوني دولي معترف به لما يُتداول إعلاميًا تحت مسمى “الخط الأصفر”، مشيرًا إلى أن المصطلح يعكس واقعًا ميدانيًا متغيرًا، وليس منطقة عازلة مُقرّة ضمن اتفاقيات دولية رسمية.

ويضيف شحادة أن ما يجري على الأرض، من توغل عسكري داخل الأراضي اللبنانية، وتدمير ممنهج للممتلكات، ومنع عودة السكان، يُعد خرقًا قانونيًا صريحًا، وليس مجرد استغلال لبنود الاتفاق. وفي المقابل، يشير إلى أن “إسرائيل” تبرر هذه الإجراءات بذريعة “الضرورات الأمنية” و”منع إعادة التمركز”، ما يضعها ضمن “منطقة رمادية” تُسوَّق باعتبارها إجراءات وقائية وفق تفسيرها الخاص.

ويرى أن استخدام مفهوم “المنطقة العازلة” ليس جديدًا في السياسة الإسرائيلية، إذ استُخدم سابقًا في غزة وجنوب لبنان وجنوب سورية، بهدف خلق عمق أمني قد يتحول مع مرور الوقت إلى واقع دائم، مستشهدًا بتجربة الجولان.

ويطرح شحادة ثلاثة أبعاد رئيسية لتفسير استمرار عمليات التدمير: أولها ما يسميه “عقيدة المنطقة العازلة بالنار”، عبر تدمير القرى الحدودية وجعلها غير صالحة للسكن، وثانيها الضغط على البيئة الحاضنة للمقاومة من خلال رفع الكلفة البشرية للعودة، وثالثها إعادة رسم قواعد الاشتباك بما يفرض إبعاد التهديدات عشرات الكيلومترات عن الحدود.

وعلى صعيد الموقف الدولي، يشير إلى أن المشهد لا يرقى إلى مستوى “غطاء مباشر”، لكنه يعكس نوعًا من “التسامح الدولي” مع الإجراءات الإسرائيلية، مقابل ضغوط دبلوماسية محدودة وغير ملزمة، ما يمنح “إسرائيل” هامش حركة واسعًا في ظل ميزان القوى القائم. أما داخليًا، فينقسم الموقف اللبناني بين إدانة رسمية عبر الأمم المتحدة، وقدرات ميدانية محدودة للجيش، وانقسام سياسي حول كيفية التعامل مع التصعيد.

ويخلص شحادة إلى أن ما يحدث يتجاوز كونه خروقات ميدانية، ليشكّل جزءًا من استراتيجية أوسع نطاقًا تقوم على إنشاء مناطق عازلة، وإبعاد التهديدات، وفرض وقائع ميدانية تُترجم لاحقًا سياسيًا، معتبرًا أن هذا النهج يعكس نمطًا من “السيطرة الأمنية” تمهيدًا لتحولات جغرافية على المدى البعيد.

من جانبه، يرى الكاتب والباحث في الشأن الإسرائيلي محمد القيق أن “الخط الأصفر” لا يحظى بقبول واسع داخل المجتمع الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن الشارع لا يرى في هذه الخطوات طريقًا لتحقيق الاستقرار، بقدر ما يعتبرها استمرارًا لحالة الحرب التي تُعيق الاستقرار الأمني والاستثمار.

ويضيف القيق أن فكرة المنطقة العازلة فقدت جدواها في ظل تطور أدوات الحرب، موضحًا أن الطائرات المسيّرة والصواريخ قادرة على تجاوز أي نطاق جغرافي، ما يجعل هذه المناطق محدودة الفعالية أمنيًا، وأقرب إلى محاولة لفرض هيمنة سياسية من قبل بنيامين نتنياهو، أكثر من كونها حلًا يخدم الأمن “الإسرائيلي”.

كما يشير إلى أن تجارب سابقة في غزة ولبنان والضفة الغربية أظهرت أن المناطق العازلة لم تمنع المواجهات، بل شكّلت مقدمة لحروب استنزاف طويلة، معتبرًا أن إعادة طرح هذا النموذج يعكس قراءة عسكرية تقليدية لا تواكب تطور الميدان.

ويؤكد القيق أن وجود أي احتلال في منطقة ما سيؤدي حتمًا إلى نشوء مقاومة، حتى وإن تأخر ظهورها، ما يجعل المنطقة العازلة عبئًا أمنيًا محتملًا بدلًا من كونها عامل استقرار. ويختم بالإشارة إلى أن الداخل الإسرائيلي يعيش حالة ترقب لجولات تصعيد جديدة، في ظل غياب حلول نهائية للصراع.

بدوره، يرى الباحث والمحلل السياسي فراس ياغي أن “الخط الأصفر” يمثل خطًا فاصلًا فرضه الاحتلال داخل الجنوب اللبناني، يقسم مناطق جنوب نهر الليطاني إلى مناطق محتلة وأخرى غير محتلة، ويشمل نحو ثلث المساحة وما يقارب 55 قرية لبنانية.

ويعتبر ياغي أن هذا الخط يأتي ضمن تصور عسكري يقوم على إنشاء منطقة عازلة خالية من السكان، بهدف حماية المستوطنات الشمالية ومنع أي تهديد صاروخي أو ميداني، عبر تحويل القرى الحدودية إلى مناطق مدمرة وغير قابلة للحياة، في مقاربة مشابهة لما حدث في قطاع غزة.

ويضيف أن هذا التوجه لا يقتصر على البعد العسكري، بل يحمل أبعادًا سياسية واضحة، إذ تسعى “إسرائيل” إلى فرض أمر واقع ميداني جديد تحت غطاء وقف إطلاق النار، بما يتيح لها حرية الحركة داخل هذه المنطقة، واعتبار أي اعتراض عليها خرقًا للاتفاق، ما يضع الطرف الآخر أمام معادلة معقدة بين الرد أو القبول بالأمر الواقع.

ويحذر ياغي من أن استمرار هذه السياسة قد يؤدي إلى تكريس احتلال فعلي مقنّع، حيث يتحول “الخط الأصفر” إلى ورقة تفاوض مستقبلية، سواء في ملف سلاح المقاومة أو في أي تسوية سياسية لاحقة، بما يمنح “إسرائيل” أفضلية في إعادة رسم قواعد الاشتباك ميدانيًا.

ويؤكد أن التعامل مع هذه المرحلة بصفتها مؤقتة قد يفتح الباب أمام تثبيت واقع طويل الأمد، على غرار تجارب سابقة في المنطقة، ما قد يفضي إلى تغييرات عميقة في معادلة الجنوب اللبناني على حساب القرى والأراضي الحدودية.

ويأتي الإعلان عن هذه المنطقة العازلة في سياق تصعيد ميداني متدرج تشهده الحدود اللبنانية مع فلسطين المحتلة منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، حيث تسعى “إسرائيل” إلى فرض واقع أمني جديد داخل الأراضي اللبنانية بذريعة إبعاد تهديدات المقاومة عن مستوطناتها الشمالية.

وبالتوازي، تتواصل عمليات القصف والتدمير الممنهج للقرى والبلدات الحدودية، إذ يعمد الاحتلال إلى نسف منازل ومنشآت على نطاق واسع، لا سيما في المناطق الأمامية، في محاولة لتفريغها من سكانها وتحويلها إلى مناطق غير صالحة للحياة، ما يكرّس واقعًا ميدانيًا جديدًا قد تكون له تداعيات بعيدة المدى.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة