يوسف أبو سامر موسى*
لم يعد السلوك الأميركي في السياسة الدولية مجرد انحراف ظرفي أو رد فعل على تحديات طارئة بل بات يعكس توجهاً ثابتاً يقوم على تجاوز القوانين الدولية وتكريس منطق القوة كبديل عن الشرعية. هذه “العربدة” السياسية والعسكرية لم تكتفِ بتقويض قواعد النظام الدولي بل دفعت العالم إلى مرحلة غير مسبوقة من القلق وعدم الاستقرار.
لقد عملت الولايات المتحدة على تسخير فائض قوتها العسكرية والاقتصادية لقمع كل من يخرج عن إطار سياساتها متجاهلةً حق الشعوب في تقرير مصيرها، ولم يكن التدخل المباشر لإسقاط الحكومات سوى أحد أبرز أدواتها كما حدث في العراق وأفغانستان واختطاف الرئيس الفنزويلي، حيث تركت تلك التدخلات إرثاً ثقيلاً من الفوضى والانهيار وصولاً إلى ممارسات أكثر خطورة تمثلت في انتهاك سيادة الدول بشكل فجّ.
وفي موازاة القوة العسكرية اعتمدت واشنطن سياسة الحصار الاقتصادي كوسيلة لإخضاع الشعوب من خلال التحكم بمفاصل الاقتصاد العالمي وفرض قيود مالية وتجارية تؤدي فعلياً إلى تجويع المجتمعات وكسر إرادتها السياسية، هذا السلاح وإن بدا أقل كلفة من الحرب إلا أنه لا يقل تدميراً في نتائجه الإنسانية والسياسية.
أما في ما يتعلق بإيران فقد شكّل التصعيد العسكري محاولة واضحة لإسقاط نموذج سياسي يرفض الانخراط في منظومة الهيمنة الأميركية ومع فشل الخيار العسكري في تحقيق أهدافه انتقلت الإدارة الأميركية إلى مرحلة الضغط السياسي عبر التهديد بضرب مصادر الطاقة والبنى التحتية في خرق واضح لكل المحرمات الدولية الذي يعتبر جرائم حرب، بما ينذر بتوسيع رقعة الصراع.
إن التلويح بفرض حصار بحري على مضيق هرمز يُعدّ تصعيداً بالغ الخطورة ليس فقط لكونه انتهاكاً صريحاً للقانون الدولي بل لأنه يهدد شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي، أي خطوة من هذا النوع كفيلة بإدخال العالم في أزمة طاقة خانقة تمتد آثارها إلى الأمن الغذائي العالمي ما يجعل تداعياتها تتجاوز حدود المنطقة إلى النظام الدولي بأسره.
وفي هذا السياق يبرز نهج الرئيس الأميركي دونالد ترامب القائم على التصعيد والمقامرة السياسية حيث يتعامل مع الملفات الدولية بمنطق الصفقات متجاهلاً تعقيدات الواقع وتوازنات القوى.
هذا النهج لم يؤدِ فقط إلى توتير العلاقات مع الخصوم بل تسبب أيضاً في تراجع ثقة الحلفاء الذين باتوا أكثر حذراً في الانخراط في سياسات غير محسوبة العواقب
بل إن مؤشرات التخلي عن هذا النهج بدأت تظهر بوضوح في ظل رفض دولي واسع لأي مغامرة عسكرية جديدة خاصة مع التلويح بتوسيع دائرة الصراع لتشمل مناطق حساسة ككوبا وما قد يستتبع ذلك من استدراج قوى كبرى مثل الصين وروسيا إلى مواجهة مفتوحة.
أما على صعيد جولة المفاوضات الجديدة المرتقبة بين اميركا وايران، والتي يُتوقع انطلاقها في باكستان فإنها تنعقد في ظل بيئة مشحونة بانعدام الثقة.. فسياسات التهديد والحصار خصوصاً على الموانئ الإيرانية تُضعف فرص التوصل إلى اتفاق مستدام وتطرح تساؤلات جدية حول جدوى أي مسار تفاوضي في ظل غياب الضمانات.
بالمحصلة تقف المنطقة والعالم أمام احتمالين كلاهما صعب … فإما اتفاق هشّ لا يعالج جذور الأزمة، أو فشل يقود إلى مزيد من التصعيد وربما إلى مواجهة واسعة.
وفي كلا الحالتين يبقى الثابت الوحيد هو أن استمرار السياسة الأميركية الحالية القائمة على الهيمنة وفرض الإرادة بالقوة، لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات وفتح أبواب مجهولة على مستقبل أكثر اضطراباً.
إن المرحلة القادمة لن تكون مجرد اختبار لتوازنات القوى بل ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على استعادة توازنه أو الانزلاق نحو فوضى شاملة قد تعيد رسم خريطة العالم بأكمله.
وفي خضم هذا المشهد المتوتر، تبرز حساسية المرحلة مع اقتراب موعد انتهاء وقف إطلاق النار، حيث تدخل المنطقة في ما يمكن وصفه بـ“الساعات الحاسمة” التي قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة. هذه اللحظات لا تُقاس فقط بالزمن، بل بحجم القرارات التي قد تُتخذ خلالها، في ظل حالة ترقب إقليمي ودولي غير مسبوقة.
ويزيد من خطورة هذا التوقيت تداول تقارير عن إقلاع قاذفات استراتيجية من طراز B-1 وB-2 من قاعدة سلاح الجو الملكي فايرفورد في بريطانيا خلال الساعات الأخيرة، وهو مؤشر يعكس مستوى الجهوزية العسكرية واحتمال الانتقال السريع من حالة التهدئة الهشة إلى التصعيد المفتوح رغم اعلان ترامب منذ لحظات تمديد وقف اطلاق النار دون مدة زمنية محددة كالمعتاد.
وعليه فإن أي خطأ في الحسابات أو اندفاع غير محسوب قد يطيح بفرص التهدئة ويدفع المنطقة نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً وخطورة.
*باحث وكاتب سياسي / فلسطين.
الاربعاء 22 نيسان 2026