كتب عصام الحلبي
في بلدة الطيري جنوب لبنان، لا يحتاج المشهد إلى كثير من الشرح. الصورة واضحة وقاسية إلى حدّ لا يحتمل التأويل، إنسانة صحفية جريحة، محاصرة، ولا طريق للوصول إليها.
آمال خليل، الصحافية التي كانت في الميدان تؤدي عملها، تحوّلت خلال لحظات إلى ضحية. الضربة الأولى وقعت، سقط شهداء من الطواقم الصحية، وأُصيبت زميلتها زينب فرج التي تمكّن المسعفون من سحبها مع جثماني شهيدين، لكن القصة لم تنتهِ هنا، آمال بقيت في الداخل… وحدها.
منذ تلك اللحظة تغيّر كل شيء، لم يعد الحديث عن غارةمن عدو حاقد وانتهت، بل عن إنسانة تُترك في دائرة الخطر دون قدرة على إنقاذها. محاولات الوصول إليها توقفت، ليس لعجزٍ تقني، بل لأن المكان أُغلق بالنار والطرق لم تعد سالكة، وأي محاولة اقتراب باتت مخاطرة كبيرة.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة ما يجري. في الحروب حتى في أشدّها قسوة، هناك لحظة يُفتح فيها الطريق للإسعاف. أما في الطيري، فالمشهد معكوس تمامًا، الجرحى موجودون ومحاصرون لكن الإنقاذ ممنوع.
آمال خليل اليوم ليست مجرد اسم في خبر عاجل. هي إنسانة جريحة، لا يُعرف وضعها بدقة، ولا إن كانت تحت الأنقاض أو في مكان يمكن الوصول إليه، لكنها، في كل الأحوال تواجه الوقت وحدها. وكل دقيقة تمرّ دون إسعاف تعني اقتراب الخطر أكثر.
ما حدث بعد الاستهداف لا يمكن فصله عما سبقه. القصف شيء، ومنع الإنقاذ شيء آخر أكثر قسوة. حين تُغلق الطرق، وتُمنع فرق الإسعاف من إكمال مهمتها، ويُترك جريح في مكانه، فإننا أمام مشهد كامل، لا مجرد حادثة.
من هنا، لا مجال للالتباس،
الاحتلال الإسرائيلي يتحمّل المسؤولية الكاملة عن حياة آمال خليل.
ليس فقط لأنه نفّذ الاستهداف، بل لأنه حتى هذه اللحظة يمنع الوصول إليها. وما يهدد حياتها الآن لا يقتصر على الإصابة، بل يتعداه إلى غياب أي إمكانية للعلاج أو الإنقاذ.
في الطيري، تختصر الحكاية بكل بساطة موجعة،
إنسانة جريحة… محاصرة… تُترك لمصيرها.
وبين الجرح والحصار، يصبح السؤال واحدًا:
كم يمكن لإنسان أن يصمد… حين يُمنع عنه حتى حق النجاة والعبور نحو الحياة؟