كتب رمزي عوض
بدأت علاقتي مع السفير الفلسطيني السابق أشرف دبور في لبنان عام 2009، يوم كان قائمًا بالأعمال في السفارة الفلسطينية في بيروت بعد انتقال عباس زكي، بينما كنت أعمل مديرًا لتحرير موقع إخباري يتابع الشأن الفلسطيني واللبناني.
منذ التواصل الأول، كان واضحًا أن دبور يمتلك شخصية سياسية ذكية، ويدرك تمامًا أهمية الإعلام في صناعة النفوذ وإدارة الصورة العامة، لم تكن علاقته بالصحفيين علاقة بروتوكولية تقليدية، بل كان يعتمد أسلوبًا شخصيًا مباشرًا؛ اتصالات طويلة، لقاءات متكررة، ومتابعة دائمة للتفاصيل، أذكر أن بعض المكالمات بيننا كانت تستمر لأكثر من ساعة ونصف، في نقاشات تتجاوز الأخبار اليومية إلى قراءة المشهد الفلسطيني وتعقيداته.
تعرفت على السفير الفلسطيني السابق عبر وسيط، ثم تطورت العلاقة بسرعة، خاصة أن دبور كان يفهم جيدًا ما يريده الإعلامي، وهو الوصول إلى المعلومة. وهنا تحديدا كان دبور يعرف كيف يبني شبكة علاقات متينة مع الصحفيين، من خلال تزويدهم بالمعطيات والتفاصيل التي تساعدهم في عملهم، وهي معادلة يدركها كل من عمل في الإعلام: من يملك المعلومة يملك مساحة التأثير.
لاحقًا، عندما تولى الدبلوماسي عبد الله عبد الله مسؤولية السفارة بدلًا من دبور، بدا واضحًا أن الأخير لم يتعامل مع الأمر كمرحلة عادية، على العكس، كثّف علاقاته الإعلامية أكثر، ووسّع دائرة تواصله، وكان يحرص على إيصال روايته الخاصة للأحداث، بما في ذلك مواقف وانتقادات غير مباشرة للمرحلة السابقة أو للإدارة الجديدة داخل السفارة، حتى ولو كانت ضمن الدوائر المغلقة.
في تلك الفترة، أدركت حجم إدراكه لأهمية الإعلام كأداة نفوذ سياسي وتنظيمي، وليس فقط كوسيلة نقل أخبار.
ومع بداية عام 2012، عاد دبور إلى الواجهة بقوة بعد تعيينه سفيرًا لفلسطين في لبنان، وهنا بدأ نفوذه يتوسع بصورة أكبر داخل السفارة، ثم داخل أطر حركة حركة فتح والفصائل الفلسطينية المرتبطة بـ منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، بالإضافة لنفوذه في بعض الفصائل الإسلامية الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس.
أتذكر يومًا أنه اتصل بي وطلب إرسال مصور إلى مدخل مخيم مخيم عين الحلوة، استغربت الطلب، وسألته: “أين إعلام حركة فتح؟”، فأجابني بأنه يريد أن تبدو الزيارة طبيعية وروتينية بعد توليه منصب السفير، يومها فهمت أكثر كيف كان يدير صورته العامة بدقة، وكيف كان ينظر إلى الإعلام باعتباره جزءًا من إدارة الحضور السياسي.
كانت العلاقة بيننا قوية إلى درجة أنني زرته ذات مرة برفقة شخصية فلسطينية، وطلب مني العمل إلى جانبه بشكل مباشر، لكنني رفضت حينها، لأنني لم أكن أرغب في أن أكون جزءًا من أي اصطفاف أو مجموعة تابعة، وكنت حريصًا على أن تبقى علاقتي به علاقة مهنية قائمة على الندية والاحترام المتبادل.
استمرت العلاقة لسنوات، لكنني كنت أوجّه انتقادات لبعض التصرفات داخل حركة فتح، وانتقد ترهل الحركة وضعفها في لبنان، بالإضافة لطريقة إدارة بعض الملفات الخاصة بالمخيمات الفلسطينية وخاصة مخيم عين الحلوة، ومع الوقت، وبسبب هيمنته الواسعة على القرار داخل السفارة والحركة، إضافة إلى رفضي كتابة ما كان يرغب أحيانًا في تمريره إعلاميًا، بدأت المسافة تكبر بيننا تدريجيًا.
ثم جاءت انتخابات موظفي الأونروا عام 2019، وهناك حدثت القطيعة الكاملة، بعدما وقفت مع لائحة معارضة لتوجهاته، ورغم محاولاتي لتوحيد لائحة موحدة عبر وسطاء، رفض حينها، قبل أن ينكر ذلك بعد بضع سنوات في اتصال هاتفي بيننا، قائلاً إن الوسطاء لم ينقلوا له شيئًا.
الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن دبور، خلال سنوات طويلة، كان لاعبًا أساسيًا في إدارة المشهد الفلسطيني في لبنان، بل كان هو مركزية القرار ووصل به الحال ليكون ذو نفوذ كبير في الأونروا والمنظمة والفصائل الفلسطينية بالإضافة لحكومات، فلم يكن مجرد سفير تقليدي، بل كان يمتلك حضورًا واسعًا، ومكنه من ذلك أسلوبه الخاص في العلاقات الإعلامية والسياسية الفلسطينية واللبنانية.
مع مرور الوقت بدأت ألاحظ كيف تتحول العلاقات السياسية والإعلامية للسفير دبور إلى أدوات نفوذ ومصالح وصراع داخل البنية التنظيمية الفلسطينية في لبنان، وكان الأقرب إليه هو الأكثر ولاء وليس الأكثر كفاءة.
واليوم، مع تصاعد الأزمة المحيطة بأشرف دبور، سواء على خلفية خلافاته الأخيرة داخل حركة فتح، أو الاتهامات المالية والإدارية المتداولة بحقه، ومذكرة الانتربول التي تتهمه بالفساد المالي، أجد نفسي أمام مشهد معقد لا يمكن اختزاله بشخص واحد فقط، فما يجري أكبر من قضية فردية، وأعمق من مجرد خلاف سياسي عابر، إنه يعكس أزمة حقيقية داخل البنية التنظيمية الفلسطينية في لبنان، حيث تتداخل السياسة بالإدارة، والإعلام بالنفوذ، والعلاقات الشخصية بمراكز القرار، في ظل غياب واضح لمنظومة مؤسساتية قادرة على إدارة الخلافات بشكل صحي وشفاف.
قد يختلف كثيرون حول أشرف دبور، بين من يعتبره رجل رسخ سطوته من خلال النفوذ، واستطاع الإمساك بخيوط المشهد الفلسطيني في لبنان، ومن يراه نموذجا لمركزية القرار الفلسطيني وتداخل السلطات للمصلحة الشخصية (الديكتاتورية والفساد).
لكن المؤكد أن تجربته تكشف خطورة ربط المؤسسات بالأشخاص أكثر من ربطها بالأنظمة والكفاءات.
فما جرى خلال تلك السنوات كشف أزمة أعمق داخل الواقع الفلسطيني في لبنان، حيث تراجع دور المؤسسة لصالح النفوذ الشخصي والعلاقات الخاصة، واليوم، وبعد كل ما أثير من خلافات وتسريبات واتهامات، تبدو الحاجة أكبر من أي وقت مضى لإعادة الاعتبار للعمل المؤسسي، بحيث تكون المرجعية للقانون والكفاءة والرقابة، لا لموازين القوى والولاء ومراكز النفوذ.