كريم حداد
لم تكن الحرب العدوانية الصهيونية على لبنان حدثاً عسكرياً معزولاً، ولا جولة عنف عابرة يمكن قراءتها من زاوية الميدان وحدَه. لقد كشفت هذه بنية صراع أوسع، يتداخل فيها المحلي بالإقليمي والإقليمي بالدولي، وتظهر من خلالها حدود القوة الإسرائيلية، وطبيعة الارتباط الأميركي ـ الغربي بالكيان الصهيوني، وموقع لبنان الهشّ داخل شبكة المصالح والرهانات والتحالفات المتشابكة.
أول ما أكّدته الحرب، أن الأطماع الإسرائيلية في لبنان ليست طارئة ولا ظرفية. فالعدو لا ينظر إلى لبنان باعتباره دولة مجاورة يمكن التفاهم معها على قواعد استقرار عادية، بل بوصفه مجالاً جغرافياً وأمنياً وسياسياً داخل التصوّر التوسّعي الإسرائيلي للمنطقة. هذا التصوّر لا ينفصل عن تاريخ المشروع الصهيوني الذي تعامل مع فلسطين وما حولها، باعتبارها فضاءً قابلاً لإعادة التشكيل بالقوة، سواء عبر الاحتلال المباشر أو التفكيك الداخلي، أو عبر فرض ترتيبات أمنية تجعل الدول المحيطة عاجزة عن امتلاك قرارها الدفاعي والسيادي. ومن هذه الزاوية، لا تنحصر مشكلة العدو في وجود المقاومة كتنظيم عسكري فقط، بل في وجود بيئة سياسية واجتماعية وشعبية ترفض تحويل لبنان إلى مساحة رخوة في خدمة الأمن الإسرائيلي.
خلفية موقف العدو، تشرح كيف أنه يستهدف المجتمع والذاكرة والعلاقة بين الناس وأرضهم، ولا يقتصر الأمر على الحجر والبنية العسكرية. والعدوان على البيوت والبنى المدنية ليس فائض عنف أو أخطاء عسكرية، بل تدخّل في استراتيجية تفكيك الجغرافيا الاجتماعية للمقاومة، ودفع الناس إلى الإحساس بأن كلفة الصمود أكبر من قدرتهم على الاحتمال.
كشفت الحرب أيضاً أبعاد الارتباط الاستراتيجي بين الكيان الصهيوني والغرب عموماً، ولا سيما الولايات المتحدة. فواشنطن لم تظهر في موقع الراعي السياسي البعيد فحسب، بل كطرفٍ مباشر في إدارة الحرب وتأمين غطائها ومنع تحوّل الضغط الدولي إلى قوة كابحة لها. أمّا أوروبا، فان خطابها الدبلوماسي والحقوقي، لم يخرجها من موقع التابع أو المتردّد، والباحث عن دور ثانوي في حروب تُصنع في واشنطن وتل أبيب. والعلاقة الأميركية ــ الإسرائيلية تجاوزت صيغة الحماية والرعاية إلى مستوى تبادل الوظائف؛ إذ تؤدّي إسرائيل دوراً متقدّماً في البنية الأمنية والتكنولوجية والاستخبارية الغربية، وتشكّل مختبراً دائماً لتقنيات الحروب الحديثة والمراقبة وإدارة النزاعات غير المتكافئة، فيما تمنحها أميركا الغطاء السياسي والعسكري والمالي، بقصد تثبيت تفوّقها في بنية السيطرة الغربية على غرب آسيا. ومن هنا يصبح الدفاع الأميركي عن إسرائيل دفاعاً عن أصل استراتيجي، لا مجرد انحياز أيديولوجي أو عاطفي.
كما أظهرت الحرب مستوى التقاطع بين العدو وبعض دول الخليج، سواء بصورة مباشرة، أو عبر واشنطن. حيث لم تعد أنظمة عربية ترى في الخطر الإسرائيلي أولوية وجودية، بل ترى أولوية في مواجهة قوى المقاومة وإيران، ما يفسّر لنا سبب الصمت والالتباس والتواطؤ غير المُعلن في ضوء هذه الحسابات.
غير أن الحرب لم تؤكّد فائض القوة الإسرائيلية بقدر ما كشفت حدودها. فالكيان قادر على التدمير، لكنه عاجز عن تحويل النار إلى استقرار دائم. يستطيع أن يقتل ويهدم ويهجّر، لكنه يعجز عن إنتاج ردع نهائي. وتفوّقه الناري مشروط دائماً بالدعم الأميركي وبشبكة حماية سياسية وتقنية ومالية، وحين يتّسع نطاق المواجهة تظهر إسرائيل كقوة كبيرة في حجمها الناري، لكنها قلقة في بنيتها الاستراتيجية، وأنها لا تستطيع تحمّل حرب طويلة مفتوحة من دون سند خارجي كثيف. وفي المقابل، بدت خريطة غرب آسيا أكثر وضوحاً؛ فاليمن رغم فقره أثبت قدرة على التأثير في معادلات إقليمية أوسع من حجمه، وبات واضحاً أن المنطقة لم تعد تُقرأ بمنطق الدول الكبيرة والصغيرة، بل بمنطق الوظائف والأدوار والقدرة على التأثير في مسارات الصراع.
بعد الحرب لا عودة إلى الخطاب القديم، فلا يكفي القول إن المقاومة انتصرت، ولا إن الدولة غابت، ولا إن العدو فشل في الحسم. لأن المطلوب قراءة أعمق، باعتبار إسرائيل خطراً توسّعياً، بدعم وتعاون أميركيَّيْن وعربيَّيْن فيما لبنان فاقد لمعادلة داخلية مستقرّة
أكّدت الحرب أن فكرة وحدة الساحات لم تكن وهماً، لكنها لم تبلغ نضجها الكامل. فهي أثبتت القدرة على إرباك العدو، وتضييق هامش حركته ومنعه من الفصل بين الجبهات، لكنها كشفت في الوقت ذاته أن الشعار وحده لا يكفي. الوحدة بين الساحات تحتاج إلى تخطيط وتحديد مهام وتوزيع أدوار وضبط توقيت وتوفير إمكانات سياسية وميدانية تجعلها منظومة فعل لا مجرّد عنوان معنوي. والخطأ هو دفن هذه الفكرة لأنها لم تحقّق كل ما كان يُنتظر منها؛ والأجدى أن تُعامَل كفكرة استراتيجية واعدة تحتاج إلى تطوير عقلاني لا إلى تقديس خطابي ولا إلى دفن متعجّل.
في مستوى العمل المقاوم، أكّدت الحرب، أن المقاومة تكون أكثر فعّالية عندما تحافظ على طبيعتها غير المتناظرة. لأن مواجهة جيش متفوّق تكنولوجياً ومدعوم أميركياً لا تكون باستنساخ نموذج الجيوش النظامية، ولا بتحويل المقاومة إلى بنية ثقيلة مكشوفة، بل بالمرونة واللامركزية والقدرة على التكيّف وإرباك العدو ومنعه من فرض قواعد معركة تناسبه. لكن هذا لا يعني الاكتفاء بالبطولة والإرادة؛ فالحرب أظهرت أهمية البنية التقنية والتنظيمية: الاتصالات، الحماية من الاختراق، إدارة المعلومات، جودة الأفراد، تطوير الوسائل. والمقاومة التي لا تطوّر بنيتها التقنية تصبح عرضة للاستنزاف، والتي لا تراجع أداءها بعد كل حرب تحوّل التجربة إلى ذاكرة لا إلى معرفة. لذلك فإن الدرس الأهم ليس في الثبات وحدَه، بل في الانتقال إلى عقل مؤسّسي واستراتيجي قادر على التعلّم والتطوّر.
أمّا المسألة اللبنانية فتبقى عقدة العقد. فلبنان بلد محدود الاستقلال السياسي، وتكوينه الطائفي يجعل كل فريق يقرأ الخطر من زاوية موقعه ومصالحه وخوفه وصلاته الخارجية. وقد يكون أقصى ما يمكن بلوغه في لحظة الحرب هو منع الانفجار الداخلي، لا إنتاج وحدة وطنية صلبة ومقاتلة.
الجيش الوطني ضرورة لا نقاش فيها، لكنه لا يستطيع وحدَه مواجهة تهديد إسرائيلي بهذا الحجم. والدفاع عن لبنان يحتاج إلى معادلة استراتيجية مركّبة، يكون الجيش جزءاً منها لا طرفها الوحيد، معادلة تعترف بالحاجة إلى مقاومة قادرة على الردع مع إدارة داخلية تمنع تحويلها إلى مادة حرب أهلية أو ذريعة للضغط الخارجي. المشكلة ليست في وجود قوة مقاومة، بل في غياب صيغة وطنية عاقلة تنظّم العلاقة بين الدولة والمقاومة والجيش والمجتمع، على قاعدة أن العدو الإسرائيلي هو مصدر التهديد الأصلي لا الفئة اللبنانية التي تحمل عبء مواجهته.
ما بعد الحرب لا ينبغي أن تكون هناك عودة إلى الخطاب القديم. لا يكفي القول إن المقاومة انتصرت، ولا إن الدولة غابت، ولا إن العدو فشل في الحسم. المطلوب قراءة أعمق: إسرائيل لا تزال خطرا توسّعياً، والولايات المتحدة لا تزال شريكاً في إدارة هذا الخطر، وبعض الإقليم متواطئ أو منتظر أو عاجز، ولبنان لا يزال بلا معادلة داخلية مستقرة. وسط ذلك كله، تبقى المقاومة ضرورة دفاعية لكنها تحتاج إلى تطوير منظومتها، وتبقى الدولة ضرورة سياسية لكنها تحتاج إلى الاعتراف بحدودها، ويبقى الجيش ضرورة وطنية لكنه لا يكفي وحدَه لحماية بلد موضوع على خط تماس دائم مع مشروع استيطاني توسّعي.
الحرب لم تكشف ضعف لبنان فحسب، بل كشفت أن بقاءه مرهون بقدرته على بناء توازن صعب بين الواقعية والسيادة: واقعية تعترف بطبيعة تركيبته الداخلية ومحدودية دولته، وسيادة لا تستسلم للعدو ولا تقبل تحوّله إلى مساحة مفتوحة للنفوذ الخارجي. المطلوب معادلة دفاع وطني مُركّبة تعرف أن لبنان لا يُحمى بالشعار ولا بالجيش وحدَه ولا بالمقاومة وحدَها، بل بعقل استراتيجي يربط عناصر القوة المُتاحة ويمنع العدو من تفكيكها من الداخل. بين هذين الحدّين تتحدّد مهمة المرحلة المقبلة: لا حرب أهلية، لا استسلام لإسرائيل، لا وهم بدولة قادرة وحدَها على الردع، ولا قبول بفوضى استراتيجية بلا أفق سياسي.