آخر الأخبار

حدود القوة وحدود النوايا: الخيط الرفيع بين الحرب والتفاوض

4169a72c-582b-4119-80f4-3177b5e22f32
خلدون الشريف
يتغيّر العالم من حولنا بسرعة، لكنّ شيئاً أساسياً يتغيّر معه أيضاً: طبيعة الحروب وطبيعة السلام. في العقود الماضية كانت الحروب الكبرى تنتهي عادة بتسويات كبرى. كانت القوى العظمى تجلس حول الطاولات، ترسم خرائط النفوذ، وتنتج ترتيبات سياسية وأمنية طويلة الأمد.
أمّا اليوم، فيبدو أن العالم دخل مرحلة مختلفة. لم تعد الحروب تنتهي بالضرورة، بل يجري احتواؤها. ولم تعد التسويات تهدف إلى حل النزاعات جذرياً، بل إلى إدارتها ومنع انفجارها الكامل. ولهذا السبب، أصبحت الهدن أكثر من اتفاقات السلام، وأصبحت التفاهمات المؤقّتة أكثر من التسويات النهائية. فالهدف لم يعد إنهاء الصراع، بل إبقاءه تحت السيطرة.
عالم جديد للوساطات
لم يتغيّر عالم الحروب فقط، بل تغيّر عالم الوساطات أيضاً. ففي الوقت الذي ازدادت فيه أدوار الدول الإقليمية والمتوسطة في الوساطات، من باكستان إلى السعودية ومصر وتركيا، ومن النروج وقطر وعُمان إلى سويسرا وغيرها، باتت الولايات المتحدة أكثر حضوراً في قلب معظم الملفات الكبرى، إن لم نقل كلها. لكن ما تغيّر هو طبيعة هذا الحضور.
مع الرئيس دونالد ترامب، وخصوصاً في ولايته الثانية، لا تعتمد الوساطة الأميركية بصورة أساسية على المؤسسات التقليدية لوزارة الخارجية، بل على شبكة من المبعوثين والمقرّبين الذين يعملون مباشرة بتفويض من البيت الأبيض. من ستيف ويتكوف إلى توم برّاك ومسعد بولس، وقبلهم جاريد كوشنر، وقد برز نموذج جديد من الدبلوماسية الشخصية التي تتحرك بسرعة ومرونة أكبر من البيروقراطية التقليدية، بهدف الوصول إلى نتائج سريعة أكثر مما هي نتائج صلبة.
غير أن حضور الولايات المتحدة في كل مكان لا يعني قدرتها على فرض الحلول على الدوام. فواشنطن تستطيع جمع الأطراف حول الطاولة، وتستطيع تقديم الحوافز والضغوط، لكنها لا تستطيع دائماً تغيير الحسابات العميقة التي تحرّك الدول والجماعات المتصارعة. وهنا تحديداً تظهر حدود القوة وحدود الوساطة معاً.
النوايا أقوى من الضغوط
كثيراً ما يجري الحديث عن موازين القوى العسكرية والاقتصادية، لكنّ التجربة أثبتت أن النوايا السياسية والاستراتيجية تبقى العامل الأكثر تأثيراً في نجاح أو فشل أيّ تسوية.
فالمشكلة لا تكمن دائماً في غياب الوسيط أو في ضعف الضغوط الدولية، بل في طبيعة المشاريع التي يحملها الأطراف أنفسهم. فهناك اعتبارات أيديولوجية ولاهوتية وأمنية واقتصادية متداخلة تتجاوز أحياناً منطق التسويات التقليدية، كما هي الحال في إسرائيل على سبيل المثال.
ولهذا نرى أن حروباً كهذه تتوقف من دون أن تنتهي فعلياً، وأن كثيراً من الاتفاقات تُوقّع من دون أن تُغلق النزاعات التي أنتجتها.
فالمشكلة ليست في الاعتراف الغربي بأن لإسرائيل هواجس ومخاوف أمنية، فذلك أمر طبيعي لكل من ساهم في إنشاء هذا الكيان. المشكلة تبدأ عندما يتحوّل هذا الاعتراف إلى إعفاء دائم لها من المُساءلة، واعتبار الكيل بمكياليْن مقياساً مقبولاً ومُبرّراً، إذ يُطلب من العالم أن يفهم خوفها، لكن لا يُطلب منها أن تعترف بخوف الآخرين. ويُطلب من الجميع أن يفسّر أفعالها، لكن لا يُطلب منها أن تراجع ما خلّفته هذه الأفعال من قتل ودمار وتهجير وتمييز، أو أن تبدي ندماً عليها. وعند هذه النقطة يصبح الأمن ذريعة مفتوحة لا سياسة قابلة للمحاسبة.
ومن هنا، على الإدارة اللبنانية أن تدرك أن اختلال موازين القوى العسكرية لمصلحة إسرائيل لا يعني بالضرورة اختلال موازين القوى السياسية لمصلحتها أيضاً. فإسرائيل قد تمتلك اليوم تفوّقاً عسكرياً واضحاً على معظم خصومها، لكنها تواجه في المقابل تحدّيات سياسية ودبلوماسية متزايدة. وهي تخوض معركة مختلفة تتعلق بصورتها ومكانتها وشرعيتها في الرأي العام العالمي، كما في أجزاء واسعة من المجتمع الدولي.
لذلك فإن أيّ مقاربة لبنانية للمفاوضات يجب أن تنطلق من قراءة شاملة لموازين القوى، لا من قراءة عسكرية فقط. فالقوة ليست الدبابات والطائرات والتكنولوجيا وحدها، بل تشمل أيضاً الشرعية السياسية، والصورة الدولية، والقدرة على بناء التحالفات والحفاظ عليها.
لبنان بين الحرب والحرب
في هذا المشهد يقف لبنان في موقع شديد الحساسية. فالحديث الدائر اليوم لا يقتصر على وقف الحرب أو على مستقبل المفاوضات، بل يتجاوز ذلك إلى طبيعة المرحلة المقبلة بأكملها.
صحيح أن الولايات المتحدة لم تكن أخيراً راغبة في تغطية عمليات عسكرية واسعة على بيروت وضاحيتها الجنوبية، وصحيح أن المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية تدرك أخطار الذهاب إلى مواجهة مفتوحة تستنزف جيشها، لكن ذلك لا يعني أن المخاطر تراجعت. وأحياناً لا يكون أخطر ما في الحرب ما يحدث على الجبهة، بل ما يحدث بعدها.
ومن هذه الزاوية، قد يكون أكبر إنجاز يمكن أن تحقّقه إسرائيل ليس توسيع رقعة الدمار أو احتلال مزيد من الأراضي، بل دفع لبنان إلى صراع داخلي حول مستقبل السلاح والدولة والهوية السياسية للبلاد. فالتاريخ الحديث مليء بالأمثلة التي تثبت أن الحروب الأهلية تحقّق أحياناً ما تعجز عنه الجيوش. وهذا ما قد يفسّر إصرار بنيامين نتنياهو على مواصلة سياسات تؤدّي إلى تعميق الانقسامات في لبنان وسوريا أيضاً، وإبقاء المنطقة كلها في حالة توتر دائم، بما يخدم أهدافه السياسية الداخلية وحساباته الإقليمية بأقل قدر ممكن من الأكلاف المباشرة على إسرائيل. ولهذا فإن الحفاظ على السلم الأهلي في لبنان لا يقلّ أهمية عن وقف إطلاق النار، وربما يفوقه أهمية.
المفاوضات ليست هدفاً
وفي خضمّ الحماسة التي ترافق الحديث عن المفاوضات المباشرة وغير المباشرة، يصبح من الضروري التذكير بحقيقة بسيطة: المفاوضات ليست هدفاً بحدّ ذاتها. فالجلوس إلى الطاولة ليس إنجازاً. والاتفاق ليس قيمة مجرّدة. وما يحدّد نجاح أيّ مسار تفاوضي ليس انعقاده، بل نتائجه.
ومن هنا، يبدو أن لبنان، بكل مكوّناته تقريباً، تجاوز النقاش حول مبدأ التفاوض نفسه، بل وحتى الجدل التقليدي بين التفاوض المباشر وغير المباشر. أمّا السؤال الحقيقي اليوم فهو: ماذا يريد من التفاوض، وما الذي سيحصل عليه مقابله؟
وفي اللحظة التي تواجه فيها إسرائيل ضغوطاً سياسية ودبلوماسية متزايدة، وتتسع فيها النقاشات داخلها وخارجها حول كلفة الحرب وعزلتها الدولية المتنامية، لا يبدو من مصلحة لبنان أن يمنحها مكاسب سياسية مجانية أو أن يتحوّل إلى نافذة تستخدمها للخروج من أزمتها المعنوية والدبلوماسية من دون مقابل واضح.
ومجدّداً، هذا لا يعني رفض التفاوض. فالدول تتفاوض حتى في أوقات الحروب. لكنّ التفاوض شيء، ومنح الشرعية السياسية المجانية لإسرائيل على وجه الخصوص شيء آخر. وإذا كان لبنان مُطالباً بحماية مصالحه الوطنية، فإن من حقّه أن يسأل قبل أي خطوة: ماذا سنأخذ نحن، وما الذي سيأخذه الطرف الآخر؟ وهل يحقّق الاتفاق مصلحة لبنانية فعلية، أم يحقّق حاجة إسرائيلية ملحّة؟
فكما أن لبنان يحتاج إلى الاستقرار ووقف الحرب واستعادة حقوقه، فإن إسرائيل بدورها تبحث عن مخارج سياسية من أكلاف حرب طويلة وعن اختراقات دبلوماسية تساعدها على تخفيف الضغوط المتراكمة عليها. ومن هنا تصبح المفاوضات أداة لتحقيق المصالح الوطنية، لا مناسبة لتقديم مكاسب مجانية لأيّ طرف.
الدولة هي السؤال
في النهاية، قد يكون الخطأ الأكبر هو اختزال كل الأزمة اللبنانية في ملف واحد، مهما بلغت أهميته. فالسلاح قضية أساسية. والاحتلال قضية أساسية. والأمن قضية أساسية. لكنّ أياً من هذه القضايا لا يمكن معالجتها خارج إطار الدولة. ومع ذلك، فإن حلّ كل تلك القضايا لا يعني بالضرورة أن الدولة قد استعادت دورها في بلد فقد كثير من أبنائه ثقتهم بمؤسساته، باستثناء الجيش ربّما.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه لبنان في اليوم التالي لوقف الحرب لن يعود كيف يدير التفاوض، بل كيف يبني دولة قادرة على إدارة خلافاته الداخلية ضمن المؤسسات بدل الشوارع، وضمن السياسة بدل الصدام؟
بالنسبة إلى لبنان، فإن النجاح في تجنّب الانقسام الداخلي قد يكون الإنجاز الوطني الأكبر في المرحلة المقبلة. لأنه الشرط الضروري لأيّ استقرار مُستدام، وأيّ تسوية قابلة للحياة، وأيّ مشروع حقيقي لاستعادة الدولة.
فالحروب قد تبدأ على الجبهات، لكنّ نتائجها النهائية كثيراً ما تُحسم داخل المجتمعات نفسها.
في زمن الحروب المؤجّلة والتسويات المؤقّتة، قد يكون السؤال الأهم ليس ماذا يريد الآخرون من لبنان، بل ماذا يريد لبنان من نفسه؟
* سياسي

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة