سيف الدين موعد
أنا فلسطيني لاجئ في لبنان. جدي لم يغادر إلى لبنان في نزهة عائلية ثم ضل طريق العودة. جدي طردته العصابات الصهيونية من قرية صفورية الفلسطينية عام 1948، وطردت معه مئات الآلاف من أبناء شعبي الذين أصبحوا لاجئين في لبنان وسوريا والأردن وغزة والضفة ومخيمات ومنافي الأرض. أقول ذلك لأن البعض قد يكون نسي أن هناك بلداً اسمه فلسطين، اقتلع شعبه من أرضه بالقوة، ومسحت قراه ومدنه وسرقت بيوته، ولم يتبقَّ منها سوى مفاتيح في أيدي أصحابها، تتوارثها الأجيال شاهدة على الجريمة.
من هذه النقطة أقرأ ما يسمى اتفاق واشنطن بين لبنان وإسرائيل. أقرأه من زاوية الفلسطيني الذي ولد في لبنان وهو يعرف أن له بيتاً في صفورية لا يستطيع الوصول إليه لأن العالم قرر أن اللص أصبح «دولة محترمة»، لها حدود وسفارات وحق في الأمن. لذلك لا أستطيع أن أمر على عبارة الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود والسلام مروراً عابراً، لأن هذه العبارة، قبل أن تمر فوق جنوب لبنان المحتل وفوق الدماء الطرية التي لم تجفّ بعد، تمر قبل ذلك فوق رقبة اللاجئ الفلسطيني، وفوق صفورية وحيفا ويافا واللد والرملة وعكا والقدس، وفوق أسماء القرى والمدن الأخرى التي حاولوا شطبها من الخريطة وبقيت محفورة في صدور الفلسطينيين.
الذاهبون إلى واشنطن يقولون إنهم يبحثون عن وقف العدوان، وعن عودة أهل الجنوب إلى بيوتهم، وعن الإعمار والسيادة واستعادة قرار الدولة. من يعترض على ذلك؟ ومن هو الذي يريد لأهل الجنوب أن يبقوا تحت النار؟ ومن هو المجنون الذي يستخف بقلق الناس على أولادهم وبيوتهم وحقولهم وأرزاقهم؟ لكن المسألة ليست هنا. لبنان، وهو يبحث عن النجاة من العدوان، لا يملك أن يمنح إسرائيل شهادة براءة من أصل الجريمة، ولا أن يقول لها إن لك حقاً في الوجود فوق أرض فلسطين، كما لا يملك أي عربي ولا أي سلطة ولا أي مؤتمر ولا أي مبادرة، أن يسقط حق شعب اقتلع من وطنه.
هذه الورقة، في منطقها الداخلي ومنطق الجهة التي تريد أخذ لبنان إليها، معروفة لنا جيداً نحن الفلسطينيون. منطق بدأ من مدريد، وتكرس في أوسلو، ثم لبس أسماء كثيرة، خارطة طريق ومبادرة عربية ودولة مؤقتة، وحل الدولتين ومناطق مصنفة وتنسيق أمني وإصلاحات وتغيير مناهج… في كل مرة كانوا يقولون لنا إن هذه مرحلة على طريق الدولة، وإن التنازل الصغير يفتح الباب للحل، فإذا بنا نكتشف أن الدولة الموعودة كانت قبراً وسراباً نجري خلفه ولا ندركه.
أوسلو كانت انتقالاً في مركز السؤال الفلسطيني من منطق التحرير إلى منطق الاعتراف، وتحولاً في جوهر القضية التاريخية، من قضية شعب اقتلع من وطنه إلى برنامج سلطة محاصرة في كانتونات تنتظر تصريحاً من الاحتلال لتمارس حقها في الحياة. منذ تلك اللحظة لم يعد الخلاف الفلسطيني خلافاً على البرامج والوسائل فقط، بل صار انقساماً حول معنى فلسطين نفسها.
هذا هو الدرس الذي لا يريدون للبنانيين أن يروه. إذا كان الشعب الفلسطيني المحتل والمنكوب قد دخل في هذا الانقسام العميق يوم ذهب جزء من قيادته إلى مسار يعاكس معنى المقاومة، فكيف سيكون الحال في لبنان، البلد المثقل أصلاً بالطوائف والمحاور وذاكرة الحرب والخوف من الآخر وتدخلات الخارج وتعريفات السيادة المتنازعة؟ كيف يمكن لعاقل أن يصدق أن ورقة أميركية تقر بأن المقاومة هي المشكلة، وتصور إسرائيل كضحية تحتاج إلى تطمين، سينتج عنها دولة لبنانية أكثر تماسكاً وسيادة؟ هذا كلام لا يصمد أمام تجربة فلسطين ولا أمام تجارب التاريخ.
المسار الذي كان يمكن أن يسلكه لبنان كان في متناول اليد. فبعد السابع من أكتوبر والإبادة في غزة، وبعد اتساع صورة المأزق الإسرائيلي، والضربات والحروب في لبنان وإيران التي كشفت أن القوة الأميركية الإسرائيلية لا تستطيع أن تطوع الإقليم بالقوة، ظهر في المنطقة مسار إقليمي تشكل في باكستان ثم سويسرا. هناك جرى التعامل مع الوساطة والمصالح والترتيبات من غير أن يكون الثمن الاعتراف بإسرائيل، أو التبرؤ من المقاومة. كان هناك مسار تفاوض يبحث عن طريقه داخل موازين صعبة، لكن من غير هذا الثمن الرمزي والسياسي الذي يراد للبنان أن يدفعه في واشنطن.
لبنان اختار أن يذهب منفرداً إلى طاولة أخرى باسم السيادة. قيل إن أحداً لا يفاوض عن الدولة، وإن السلاح لا يجوز أن يبقى خارجها. هذا كلام يمكن أن يفتح نقاشاً لبنانياً جدياً لو صدر في سياق وطني جامع، ولو جاء بعد تثبيت حق لبنان في الانسحاب ووقف العدوان وعودة الناس. لكن ما جرى أن هذه اللغة استخدمت لتجريد لبنان من أوراق قوته قبل الجلوس إلى الطاولة. وجرى تصوير المقاومة كأنها سبب الاحتلال والعدوان، والدولة ضحية سلاح خارج سلطتها لا ضحية إسرائيل، حتى وصل لبنان إلى واشنطن وهو يكاد يعتذر عن الورقة الوحيدة التي جعلت العدو يحسب حساباً للبنان.
والأخطر من ذلك كله ما يسمى بالمناطق التجريبية. هذه العبارة وحدها تكفي ليقفز الفلسطيني من مكانه صعقاً. نحن نعرف هذه اللغة جيداً. قيل لنا من قبل: سنقسم الضفة إلى مناطق أ وب وج، وقيل إنها مؤقتة، ثم تحولت المؤقتات إلى نظام دائم. ماذا بقي من الضفة بعد هذه التصنيفات؟ ماذا بقي من الأرض بعد أن صار الفلسطيني عبئاً على الخريطة ولا يملك الطريق إلى أرضه؟ لماذا يريد لبنان أن يجرب المجرب؟ لماذا يريد الجنوب أن يدخل إلى لغة جربها الفلسطيني لعقود، وهو يعرف حتماً نهايتها قبل أن تبدأ؟
إسرائيل تحب هذا النوع من الخرائط. تحب تقسيم المناطق وتصنيفها بالأحرف والألوان، وتعشق المراحل واللجان والترتيبات والتجارب… لأنها تعرف أن الحق عندما يتم تسييله وتجزئته يصبح قابلاً للتأجيل والمساومة، بل يصبح ملكاً لإسرائيل. اليوم يقولون مناطق تجريبية، وغداً يقولون قرى تشكل خطراً وأخرى أقل خطراً، وثالثة العودة إليها مشروطة، ورابعة مراقبة، وهكذا… وبعد سنوات سيخرج من يقول للبنانيين إن هذا هو الممكن، والواقعية تقتضي القبول بما تحقق. هكذا بدأت مآسينا، خطوة صغيرة باسم الواقعية، ثم سلسلة طويلة من التنازلات على أمل أن نمنع الأسوأ، لكن الأسوأ يتحول في هذه الحال إلى وضع دائم لا فكاك منه.
ثم لنتحدث عن السياق. هل هذه الورقة هدية ترضية لنتنياهو الخائب ومجرم الحرب بقرار محكمة دولية؟ الرجل خرج من غزة غارقاً في الدم من غير أن يحقق صورة النصر التي وعد بها، وخرج من طهران ومن حرب الإقليم مثقلاً بحدود القوة وفشل الخيارات، ووجد نفسه في لبنان أمام مقاومة جُربت قبل وبعد العام 2000. هل يراد لاتفاق واشنطن أن يمنحه ما لم يستطع أن يأخذه في الميدان؟ هل يراد تلميع مجرم حرب يلاحقه العار في العالم، وإعادة تأهيل حكومة صارت معزولة إلا من أميركا؟ هل يكون لبنان الجائزة التي تقدّم لهذا الفاشل كي يقول لجمهوره إنه عاد باعتراف جديد وبمسار يضع المقاومة في قفص الاتهام ويعيد ترتيب لبنان على قياس أمن إسرائيل؟ أي عبث هذا؟ وأي سقوط سياسي أن يتحول بلد عربي موجوع إلى منصة إنقاذ لرجل لم يترك في غزة وجنوب لبنان حجراً ولا طفلاً ولا مستشفى إلا جعله هدفاً؟
أين لبنان من كل هذا؟ أين القوى والأحزاب والحركات والنقابات والجامعات والكتاب والمثقفون والصحافيون؟ أين الإسلاميون والعروبيون والوطنيون والقوميون واليساريون والشيوعيون؟ أين السنة والشيعة والدروز والمسيحيون؟ أين الذين كتبوا طويلاً عن فلسطين والجنوب والسيادة والكرامة؟ هل مات الحس العام، أم أن الناس أنهكت؟
إذا مر هذا الاتفاق بهذه السهولة، فهذه شهادة مخيفة على أن المجتمع اللبناني لم يعد قادراً على حماية معناه. بلد مثل لبنان، بكل صخبه وتاريخه وحساسيته تجاه كل تفصيل، كيف يعبر من فوق نص يلامس فلسطين والجنوب والسيادة والاحتلال من غير نقاش وطني جدي وواسع؟
وأين العرب من ذلك أيضاً؟ أين النظام الإقليمي الذي قيل لنا إنه يتشكل بعد العواصف الأخيرة؟ هل يكون أول اختبار له أن يترك لبنان وحده أمام طاولة أميركية صيغت على مقاس إسرائيل؟ المبادرة العربية على علاتها الكبيرة، كانت تقول إن الاعتراف يأتي بعد الانسحاب وبعد حل القضية الفلسطينية. أما الآن فيراد للبنان أن يدخل في الاعتراف وطمأنة المحتل وحماية أمنه أولاً، ثم انتظار ما يجود به لاحقاً. فإذا كانت المبادرة العرجاء قد صارت عبئاً على أصحابها، فهل الحل أن نزحف إلى ما دونها؟ هل صار المطلوب أن يقدم كل بلد عربي اعترافه منفرداً ومكسوراً، وتحت ضغط حاجته الخاصة، حتى تجهز إسرائيل على الجميع واحداً واحداً؟
أمّا أنا، كفلسطيني لاجئ في لبنان، ابن قرية صفورية، فأقول إن كل نص عربي يمنح المحتل شرعية جديدة بعد غزة والجنوب والقدس وكل هذا الدم هو طعنة في حقنا جميعاً. قد يذهبون إلى واشنطن، وقد يعودون بورقة يسمونها فرصة أو إطاراً أو ضرورة، لكن الورق لا يغير الحقيقة.
فلسطين لا تصبح ملكاً لإسرائيل لأن رئيساً أميركياً قال ذلك، ولا لأن حكومة عربية تعبت، السارق لا حق له في الوجود على الأرض المسروقة لأن ميزان القوة اختل أو لأن الناس أنهكت. سيذوب الثلج ويبان المرج، كما ذاب من قبل في أوسلو وكل سراب شبيه به، وسيكتشف الذاهبون إلى هناك أنهم لم يعودوا بسيادة كاملة، وأن ما جنوه مسار طويل من الشروط المفتوحة على لا شيء، وفي قلب ذلك حقيقة واحدة: أمن إسرائيل أولاً، وشرعية إسرائيل أولاً، وحق العرب إن بقي شيء منه يمكن التفاوض عليه. هكذا تتحول الأمة إلى طوابير أمام مكتب في واشنطن كلٌ ينتظر توقيعه الخاص، وكل توقيع جديد يقضم جزءاً من فلسطين والقدس واللاجئين والجنوب والجولان وجزءاً مما تبقى لنا من كرامة. ألا تفيقون أيها القوم، يرحمكم الله!
* كاتب وباحث فلسطيني