شهد الحموري
وقّعت الحكومة اللبنانية اتفاقاً مع الولايات المتحدة وإسرائيل يقوم، في جوهره، على تصفية القدرة العسكرية لحزب الله. ويقبل هذا الاتفاق صراحةً بالتدخل الخارجي والتبعية السياسية لدولتين تتعارض مصالحهما مع حقوق الشعب اللبناني، كما يقبل أيضاً بشروطٍ مبهمة تتعلق بالاحتلال الإسرائيلي لأراضٍ لبنانية، وهي شروط تظلّ معلّقة إلى حين إنجاز نزع السلاح. وبذلك، فإن الحكومة اللبنانية تهلل لاتفاق أساسه سوء النية نحو الشعب اللبناني.
في هذا المقال، أحاول تفكيك الغطاء القانوني الظاهري الذي يدفع الحكومة إلى تقديم هذا الاتفاق باعتباره أمراً واقعاً لا رجعة فيه. وعبر فحص الأساس القانوني للحق في المقاومة، كما يُفهم عبر المعايير الدولية من منظورٍ تحرري/ما بعد استعماري، أذهب إلى أن هذا الاتفاق يفتقر إلى أي سلطة شرعية. بل إنّه، على نحوٍ شبيه باتفاقات أوسلو التي كان نواف سلام نفسه قد شكك بشرعيتها في تقييمه للاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، ينبغي أن يُنظر إليه على أنه اتفاق باطل.
بداية: للشعب اللبناني حقّ مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. وهذا الحقّ مشتق من حقه في تقرير المصير، كما أكّد قاضي محكمة العدل الدولية اللبناني فؤاد عمّون مراراً، ثم ناصر هذا الحق بقوة الأستاذ المصري جورج أبي صعب، الذي شغل هو أيضاً موقعاً في المحكمة. ولإثبات هذا الحق، انطلق هؤلاء من قراءةٍ للقانون الدولي تقوم على فلسفة تحررية. ويمكن العثور على هذه المعايير في قرارات تأسيسية صدرت بين الخمسينيات والسبعينيات، وأرست أسساً قوية لخيالٍ جمعيّ يقوم على حق الشعوب في تقرير المصير. وإذا أردنا أن نتكلم عن لبنان، القراءة السديدة للقانون تبدأ من هذا المسار، الذي يمنح كرامة الشعوب المضطهدة الأولوية في تفسير قواعد القانون الدولي وقراءتها.
أمّا الاتفاق المطروح، فيقوم على نقيض هذا المنطق تماماً. فهو لا يكتفي بقبول قراءةٍ ليبرالية للقانون الدولي، بل يتوسع أيضاً في لغةٍ لا قانونية، حيث يُفسر مفهومي «الأمن» و«السلام» حصرياً ضمن حدود مجال المصالح الأميركية. وفي هذا السياق، يتخلى الاتفاق عن أي إشارة إلى الحق في المقاومة، وينخرط بدلاً من ذلك في سردية استعمارية صريحة مؤطرة حول «الإرهاب». وهكذا يُفتح الباب أمام استخدامٍ إبداعي للأطر القانونية الدولية لغاية إكراه جزء كبير من الشعب اللبناني نحو التبعية والاضطهاد.
هل تمثّل الحكومة اللبنانية الشعب اللبناني؟
إن السؤال عن أحقية الحكومة بالتعبير عن إرادة الشعب هو من أكثر الأسئلة ضبابية في الدوائر القانونية الدولية. فبينما استخدم الأميركيون شعار «إنقاذ الديموقراطية» لتطبيع منطق استثنائي للتدخل الخارجي، حُرمت شعوب الجنوب العالمي من الحق في وضع الأسس الموضوعية للطعن في ما إذا كانت الحكومة تعمل لمصلحتها أم لا. ويؤدي هذا إلى قيام درعٍ بيروقراطي يحمي المستعمِرين في بعض السياقات، إذ يمكنهم ببساطة التعامل مع حكومات عميلة فاسدة لمصلحتهم ولمصلحة النخبة المحلية، من دون انتهاكٍ نظري لحق الشعب في تقرير المصير. وهذه الصورة مألوفة جداً لدى شعوب الأغلبية العالمية، كما عبّر عنها بوضوح فرانتز فانون في «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، حيث يبيّن كيف تندمج النخب المحلية في مجال نفوذ المستعمِرين. وتحوّل هذه الحقيقة الملموسة هذا السؤال إلى سؤال محوري في عقيدة تقرير المصير، ويفتح الطريق للطعن في صحة الاتفاقات التي توقّعها حكومات تفتقر إلى الدعم الشعبي أو تتصرف على نحوٍ ينتهك حقوق شعوبها. وهذا الخط من التساؤل يستند إلى أعمال القاضي الجزائري البارز في محكمة العدل الدولية محمد بجاوي.
ومن منظور داخلي، من المهم الإشارة إلى أن البنية الدستورية في لبنان لا تزال مشوّهة بإرثها الاستعماري؛ فالقرائن العملية تدلّ على أنها أداة تفضّل المصالح الاستعمارية والنخبوية. كما أن التدخل الأجنبي المستمر في مراكز السلطة، وفي الفضاء الإعلامي، والانقسام الطائفي المتجذّر في لبنان، قد حال دون أي إصلاح حقيقي. ومع ذلك، قد يكون أحد آثار هذا الاتفاق هو إعادة إحياء النقاش الدستوري في المجال العام. وباختصار، فإن أفضل طريق لكشف حقيقة غياب السلطة التمثيلية عن الحكومة اللبنانية يظل في الشارع، وعبر الوحدة الوطنية.
وحتى لو افترضنا أن الحكومة اللبنانية تملك صلاحية تمثيلية لتوقيع هذا الاتفاق، فإن صحة الاتفاق تبقى موضع شك من زاوية انسجامه مع القواعد العرفية الدولية.
هل تتوافق شروط الاتفاق مع مبادئ القانون الدولي العرفي؟
قد يُطعن في المعاهدة إذا كانت بنودها تنتهك القواعد الآمرة في القانون الدولي. وحق تقرير المصير هو قاعدة آمرة في القانون الدولي، وفي سياق الاستعمار، يمكن القول إن هذا الحق يقتضي عدم التدخل من قبل الدول الأجنبية، والحفاظ على حق المقاومة، وطبعاً رفض أي شكل من أشكال الضم أو الاحتلال.
أولاً، إن إعلان العلاقات الودية لعام 1970 يحظر صراحةً التدخل الخارجي في العلاقات المحلية. غير أن الاتفاق موضوع البحث يقوم على هذا التدخل الخارجي ويُنفّذ عبره. وفيما يعجز الجيش اللبناني حالياً عن امتلاك القدرة العسكرية المناسبة للدفاع عن الأراضي اللبنانية في مواجهة أحد أكثر الجيوش تقدماً في العالم، يعد الاتفاق بتقديم دعم عسكري أميركي لتحقيق هذا الغرض، وهو التزام مشكوك فيه بذاته. وهكذا، يزرع الاتفاق التبعية والتدخل الخارجي مباشرةً في بنيته.
ثانياً، يتخلى الاتفاق عن حقوق شريحة واسعة من الشعب اللبناني. فهو يقبل بشروطٍ غامضة تفتح المجال أمام احتلالٍ طويل الأمد لأراضٍ لبنانية. ولا تملك الحكومة سلطة قبول احتلال أرضها أو ضمّها. وفي هذا السياق، تكون الحكومة اللبنانية قد تنازلت أيضاً عن حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية كبرى للشعب اللبناني وتخلت عن واجبها بملاحقة مرتكبي الجرائم على الأراضي اللبنانية.
ثالثاً، يقوم الاتفاق على منطق يعطي الأمن الإسرائيلي أولوية على الأمن اللبناني، ويجعل الأمن اللبناني نفسه مشروطاً بالتبعية العسكرية لدولة أجنبية، وهو ترتيب غير مقبول. وقد أكدت محكمة العدل الدولية بطلان هذا المنطق في قضية الآثار القانونية للاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، التي كان سلام أحد قضاتها، إذ لم تقبل المحكمة الحجج الإسرائيلية التي استندت إلى اتفاقات أوسلو كأساسٍ للسيطرة على المنطقة. ومرةً أخرى، فقد اعتُبرت الجدليات التي تقوم على فوقية الأمن الإسرائيلي باطلة في رأي القاضي ديري تلادي في قضية الآثار القانونية أمام محكمة العدل الدولية.
هل تُضعف شروط التفاوض من صحة الاتفاق؟
عند تقييم صحة أي اتفاق هناك عوامل عديدة قد تُضعف من إلزاميته. في الوضع الراهن، ثمة أدلة وافرة على الإكراه، والإهمال الجسيم من قبل ممثلي الدولة، وسوء النية من قبل الأطراف المعنية.
إسرائيل دولة معادية تجاه شعوب المنطقة ككل، وهي اليوم التهديد الأبرز للسلم والأمن الدوليين. ويكفي القول إن القائمة الطويلة من الانتهاكات التي ارتكبتها إسرائيل لا نظير لها في تاريخ القانون الدولي المعاصر. وخلال الأعمال العسكرية في لبنان، كانت إسرائيل هي الطرف الذي انتهك حظر استخدام القوة مراراً وتكراراً. كما أن هدفها العسكري المعلن، أي تدمير القدرة العسكرية لحزب الله، لا يجد أي سند في القانون الدولي؛ إنه ببساطة جشع استعماري. وفي تقييم شرعية العدوان في هذه الحال غالباً ما يتجاهل الليبراليون عناصر اختلال القوة والسياق والتحليل التاريخي، على نحوٍ أشار إليه مراراً باحثون نقديون في القانون الدولي الإنساني. وإذا جرى تقييم مسألة ما إذا كانت إسرائيل هي المعتدية مع أخذ هذه العناصر في الحسبان، فإن النتيجة تكون واضحة تماماً. وإضافةً إلى ذلك، انتهكت إسرائيل ما يُسمّى اتفاقات وقف إطلاق النار، وارتكبت تطهيراً عرقياً تحت عنوان أوامر الإخلاء، وكررت ارتكاب جرائم حرب.
ويكفي أيضاً التنبيه إلى أن سلوك إسرائيل في لبنان وُصف بأنه تطبيق لـ«عقيدة غزة». وقد استخدمت إسرائيل ورقة العدوان المستمر لانتزاع تنازلات من الحكومة اللبنانية، أو استُخدم تهديد العدوان المستمر كأداة لتطبيع تلك التنازلات من قبل الحكومة. وفي الحالين، يمكن القول بثقة إن عنصر الإكراه المادي كان حاضراً.
وأحد العناصر الأساسية في الاتفاقات هو النية. فإذا وقّع طرفٌ اتفاقاً وأعلن لطرفٍ آخر نيةً بديلة، فلدينا ما يبرر القول إن الاتفاق وُقّع بوسائل احتيالية أو بسوء نية. وقد صرّح مسؤولون إسرائيليون صراحةً بنيّتهم ضمّ أراضٍ لبنانية، وباستراتيجيتهم في التدخل السياسي المحلي سعياً وراء هذا المشروع. وهذه النيات، فضلاً عن كونها مُعلنة بوضوح، يمكن استنباطها أيضاً من تاريخ التدخل خلال الحرب الأهلية اللبنانية، ومن الأيديولوجيات التوسعية للصهيونية والإمبريالية والاستعمار الاستيطاني، وهي أوصاف تنطبق جميعها بدقة على إسرائيل. وفي هذا السياق، فإن العبارات الغامضة التي تشير إلى الانسحاب الإسرائيلي كُتبت وقُبلت بسوء نية تجاه الشعب اللبناني المتضرر.
ثالثاً، يتخلى الاتفاق عن أي إشارة إلى مسؤولية دولة إسرائيل عن الانتهاكات الجسيمة التي ارتُكبت طوال الحرب، وهي مسؤولية راسخة في القانون الدولي العرفي. وأول هذه الالتزامات هو تعويض كل من فقدوا ملكية أو أرضاً أو دخلاً نتيجة لانتهاكات قواعد الحرب ومحاكمة المسؤولين. وهذه الحقوق تعود إلى الطبقة العاملة اللبنانية؛ والتنازل عنها يعني قبول فعل سياسة الإفقار الاستعمارية التي تهدف إلى إضعاف قدرة الشعب اللبناني على المطالبة بتقرير المصير. وإضافةً إلى ذلك، يعرّض الاتفاق السلام والأمن المحليين لخطر واضح، ويهدد بتنشيط الانقسامات على أسس طائفية أو طبقية. وهذا الإهمال الجسيم من جانب الحكومة اللبنانية يشكل بدوره أساساً آخر للطعن في صحة الاتفاق.
الخاتمة
في الختام، يقدم هذا الاتفاق مثالاً دالاً على كيف يمكن استخدام القانون الدولي أداةً لتحريف إرادة الشعب، وقلبه من غايته الأصلية إلى نقيضها، بحيث يُستدعى للحرب ونزع الملكية لا للسلام والأمن. والمدافعون عن هذا الاتفاق يستحضرون مفاهيم البراغماتية والسيادة، لكنهم يفعلون ذلك وهم يفرغون أي صلة ذات معنى بالسلام والأمن من محتواها الواقعي. ففي منطقتنا، لا يفضي طريق السلام والأمن إلا عبر تقرير المصير بوصفه تحرراً من الاستعمار؛ وأي طريق آخر هو فخّ. وفي هذا المقال، سعيت إلى إثبات أن هذا الموقف ليس موقفاً مصدره السياسة وحدها، بل هو موقف يستند إلى قراءةٍ للعدالة والكرامة متجذرة في تاريخ طويل من الدروس المستفادة بشأن تقرير المصير. والتحليل المعروض هنا لا يرمي إلى مخاطبة الفضاءات القانونية الليبرالية، بل ينقلب إلى الداخل اللبناني ذاته، كاشفاً الغطاء القانوني، وواصفاً هذا الاتفاق بما هو عليه حقاً: إهانة لتقرير المصير اللبناني.
* أكاديمية، خبيرة في القانون الدولي