آلان علم الدين
لم يأتِ اتفاق الهزيمة والتطبيع لإنهاء العدوان الحالي ولا لإنقاذ لبنان من التهجير والاحتلال، بل لإنقاذ الكيان من الشروط التي تمكّنت إيران من فرضها ولترسيخ خطوة إضافية في مسار لبنان التطبيعي. وعليه، أصبحنا اليوم أمام حكومة يتضح أكثر وأكثر أنها حكومة فيشي من ناحية تنازلها عن السيادة على أرضها لمصلحة العدو وتعاملها مع المقاومة كأنها عدو. فكيف نواجه؟
لا يكفي أن نعارض الاتفاق. فالتغيير لا يحصل برفض الموجود بل بطرح البديل عنه. على سبيل المثال، لا معنى لرفض ضريبة دون تحديد الخيار، إمّا خيار رصد الأموال من مصادر أخرى وتحديد هذه المصادر أو خيار تخفيض النفقات وتحديد المجالات التي سيتم تخفيض الإنفاق فيها. ولا معنى لاستقالة وزراء حزب الله من حكومة فيشي أو للتكلم عن إسقاطها دون طرحٍ لحكومة أخرى. كانت قد طرحت المقاومة الفرنسية، يوم إطلاقها، برنامجاً سياسياً لنظام حكم بديل عن فيشي. وهذا ما ينبغي على معارضي حكومة سلام فعله اليوم.
فما المشروع الذي ستحمله الحكومة البديلة عن فيشي؟ بطبيعة الحال، عليها التراجع عن اتفاق الهزيمة. لكنّ الاتفاق ليس وليد ساعته بل هو نتيجة مسار عقود من السياسات التي أضعفت المجتمع اللبناني، ومنها حرمانه من الحقوق الأساسية وتهجير شبابه وتقويض اقتصاده وترسيخ المنطق القَبَلي فيه وتسليم جيشه لقطر والولايات المتحدة. كما أنه نتيجة ضغط العدو لدفع مجتمعنا نحو الاقتتال، أي «الفتنة» كما وصفها الرئيس نبيه بري.
والمواجهة تعني إقرار سياسات مُصمّمة لنزع الفتائل التي قد تُشعِل الفتنة:
أوّلاً، عوض الانكفاء عن الدفاع عن الجنوب وترك أهله يدافعون عن أنفسهم، إقرارُ خدمة مدنية وعسكرية إلزامية، لنقل خبرات المقاتلين اللبنانيين المنخرطين في حزب الله منه إلى الدولة ولانخراط كامل المجتمع في الدفاع.
ثانياً، عوض تسليم الجيش لقطر والولايات المتحدة، تفعيلُ نظام ضريبي على الريع والمصارف لتمويل التسليح.
وثالثاً، لتفكيك منطق القبائل الفتنوي دون التعرّض لمن يتبنون منطقاً دينياً أو طائفياً، إعلان شرعية مدنية للدولة اللبنانية يصبح الانتماء إلى الطائفة فيها اختيارياً.
مواجهة الفتنة تتطلّب دقّة. فما زالت خطوط التماس في المجتمع هوياتية وقد ازدادت عنفاً مع استخدام فريق لبناني ما يُسمّى الدولة كسلاح بوجه طائفة
كما أن مواجهة الفتنة تتطلّب دقّة. فما زالت خطوط التماس في المجتمع هوياتية، وقد ازدادت عنفاً مع استخدام فريق لبناني ما يُسمّى الدولة كسلاح بوجه طائفة. لذا، من شأن اختيار اسم غير سنّي، أو اسم سنّي موالٍ لحزب الله، لرئاسة الحكومة البديلة عن فيشي، تأجيج الفتنة لا مواجهتها. ويبرز هنا اسم سعد الحريري. فمع أنه من أركان النظام الطائفي، لديه الشرعية لمخاصمة سلام وحكومته، ما ينقل خط التماس من «سنّي-شيعي» إلى «مع أو ضد الفتنة والتطبيع».
وكان موقف سعد الحريري لافتاً حين أصدرت «المحكمة الدولية الخاصة بلبنان» مذكّرة توقيف بحق عضوين من حزب الله في قضية اغتيال والده. فقد دعا آنذاك السلطات للتحرك لكنه لم يوظّف المسألة للدفع نحو اقتتال. ومن المنطقي الاستنتاج أن لموقفه هذا دوراً في إقصائه عن الحياة السياسية وحتى في خسائره المادية. أي إنه، عملياً، أحبط سنينَ طويلةً من المساعي لإشعال فتنة رغم التكلفة التي تكبّدها. ولذا، لعلّ طرح حكومة برئاسة الحريري تحمل المشروع المناقض لحكومة فيشي هو عنوان المواجهة.
ختاماً، السياسة خيارات، وكل الخيارات المطروحة أعلاه قابلة للنقد والنقاش. المهم ألّا نتجنّب طرح الخيارات من باب تجنّب النقد. فالاكتفاء بمعارضة الموجود هو الموقف الأسهل —أو بالأحرى، اللاموقف الأسهل— لكنه لا يحمي المجتمع. فعلى حزب الله والأحزاب والشخصيات التي تدرك خطر العدو والفتنة على المجتمع في لبنان أن تُجمِع على بديل لفيشي، ثم أن تتحرّك لفرضه.
* كاتب