بشار اللقيس
أمّا وقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه من انهيار سياسي واجتماعي، فإن كلاماً لا بدّ من أن يُقال. لبنان اليوم بلد من دون عقد اجتماعي، ولا جديد في كلامي، فمفاعيل اتفاق الطائف انتهت مع خروج سوريا من لبنان سنة 2005. ولبنان اليوم يعيش من دون أدنى مقوّمات الوفاق بين مكوّناته، ولا جديد في كلامي، ففي الأصل قلّما وُجد هذا الوفاق بين مكوّناته. ولبنان اليوم يعيش تحت وطأة سلطة فاشلة، ولا جديد في كلامي. مبدئياً، اعتدنا كلبنانيين على مثل هذا الفشل. الجديد في المشهد أننا نعيش موت الدولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
سلوك رئيس الحكومة من بعد الحرب الإسرائيلية عام 2024، سلوك الجيش اللبناني مع بدء هذه الجولة من الحرب في الجنوب، سلوك الوفد اللبناني المفاوض في واشنطن، سلوك «المواطنين» تجاه هذا الفراغ كله، علائم تشير إلى معنى وحيد هو موت فكرة الدولة عند الرؤساء والمرؤوسين. لا أحد يحاسب أحداً ولا أحد ينتظر من أحد شيئاً، وهذا أحلى ما في الأمر. مجتمع خفيف المؤونة وسلطة أخفّ منه مؤونة ومسؤولية.
أمّا التجسيد الأكبر لموت الدولة، فهو في ما نراه في واشنطن اليوم. مفاوضات لبنانية إسرائيلية بمثل هذه الحساسية وهذا الظرف تُدار من سفارة. هزل ليس جديداً على المشهد اللبناني. المفاوضات البحرية من قبل لم تكن أشفى حالاً. تذكرون تنازل حكومة السنيورة لقبرص عن مئات الأميال البحرية نتيجة خطأ ارتكبه فريق التفاوض عام 2007؟ نعم، بمثل هذه الخفّة تُدار مفاوضات اليوم، لكنّ الفارق بين اللحظتين جوهري. مفاوضات اليوم تُخاض على حساب دماء لبنانية في الجنوب. وهناك فريق لبناني في واشنطن «إسرائيلي أكثر من الإسرائيليين» على حدّ تعبير وليد جنبلاط.
ملاحظة: أنا أعتبر جنبلاط أكثر العارفين بهؤلاء. ونحن لسنا بحاجة إلى أكثر من معرفة الطبقة التي ينتمي إليها هؤلاء لنعي حقيقة وصفه. شخصياً أسمّي أبناء بيوتات فريق التفاوض بأيتام رينيه بيسون. لمن لا يعرف رينيه بيسون، هو مدير مصرف سوريا ولبنان قبل عام 1953. هندس هذا الفرنسي الاقتصاد اللبناني ووزّع ريع السلطة وعوائدها على إقطاعيّي بيروت وجبل لبنان. المفارقة أن عوائل كمعوض وحمادة وغيرهما، كانت المستفيد الأبرز من بيسون. وهذه الطبقة بالتحديد كانت تابعة بنيوياً لفرنسا، ثم لأميركا في ما بعد، وهي التي تدير المفاوضات مع إسرائيل باسمنا اليوم.
ثمّة حاجة إلى التفكير بالدولة وبالمقاومة اليوم في فضاء خيال سياسي جديد
على كل حال، ليس شأن مقالي الوقوف عند هؤلاء. فهؤلاء نتيجة وليسوا سبباً. السؤال هو كيف وصلنا إلى هذا الحال؟ ماذا زرعنا لنحصد كل هذا البؤس؟ (يقول لي أحد الأصدقاء، حتى لو زرعنا شعيراً ما كان الحصاد ليكون بهذا النحو).
ولنعترف، إنّ أكثر ما يخيف في المشهد اليوم شعورنا بعدم وجود مخرج منه. فالمشكلة التي نحن إزاءها مُركّبة بنحو يصعب تفكيكها. فهي مشكلة طائفية، وطبقية، واجتماعية، وسياسية في آن. وهي مشكلة مرتبطة بأصل نشوء الدولة في لبنان، وعلاقتها بمكوّناتها الداخلية ومحيطها الخارجي، وبهويتها ووظيفتها. ولنعترف أيضاً، أن للكل سهمه في ما وصلنا إليه. لا أقول إن الكل يتحمّل نفس النسب من المسؤولية، لكن الكل أسهم في صناعة الأزمة الراهنة.
خطاب الميثاقية المأزوم
منذ أمد ليس بقليل، يتداول أكاديميون ومسؤولون من بيئة المقاومة مفردة الميثاقية. طبعاً تاريخ الميثاقية في لبنان يطول منذ أن ألقى رياض الصلح بيانه الحكومي الأول. ما يعنيني شخصياً، هو المعنى والمؤدّى من هذه المفردة اليوم. ينظّر هؤلاء للميثاقية باعتبارها روح الدستور وقوامه وما ينبغي أن يكون عليه الحال، في خطاب يمزج بين أدبيات ميشال شيحا وشارل مالك، وموسى الصدر، وياسر عرفات.
المحصّلة نوع من الفانتازيا السحرية التي – كما يعتقد هؤلاء – تؤمّن إدخال الشيعة إلى النسيج اللبناني، وضمان خيار المقاومة باعتباره خياراً شيعياً. فالمشروعية الوطنية بحسب هؤلاء تقوم على جمع المشروعيات الطائفية. نوع من التوافقية الطائفية التي تضمن قبول الجميع للجميع. وبما أن المقاومة هي خيار الشيعية السياسية فإنّ التوافقية ستحمي المقاومة وتضمن وجودها داخل النسيج الوطني اللبناني.
طبعاً لهذا الخطاب مندرجات ومستويات، من استحضار أدبيات الهولندي أرنت ليبهارت (منظّر الديمقراطية التوافقية) إلى إبداع مقولات «المخّو بعبّو للشيعة والسياحة للمسيحيين» كان هذا الخطاب يعمل على تأمين حماية طائفية للمقاومة، وفي الآن عينه كان يحاصر المقاومة ويزيد من أزمة مشروعيتها السياسية.
واقع لا بدّ من مواجهته
أثبتت الحرب الأخيرة أن قتال إسرائيل أكبر من قدرة أي طائفة على المضي به منفردة. عقيدة الضاحية (التدمير المهول) والكلفة غير المتناسبة عند ضرب أي «جماعة» أو «طائفة»، هو ما تنبّه إليه الإسرائيليون قبل سنوات. في كتاب «حروب صغيرة للجيش الإسرائيلي» (صدر عن مركز «بيسا» عام 2017) يقدّم أستاذ العلوم السياسية في جامعة بار إيلان هيلل فريش مقاربته للمسألة الشيعية ولحزب الله في لبنان. يقول: «ينبغي أن نُشعِر الشيعة بخطر الإبادة فيما إذا وقعت أي مواجهة بيننا وبين حزب الله».
وبعد استقرائه لنسب الخصوبة لدى الشيعة في لبنان يخلص هيلل إلى أن مفتاح هزيمة حزب الله «بالضرب المبرح للحزب في الضاحية والنبطية والبقاع». دراسته تطول ولست في وارد تشريحها ها هنا، لكن ما أردت قوله بأن ثمّة معضلة حاصرت المقاومة ولا تزال اسمها الطائفية، وأن الطائفية تفقد المقاومة إمكانية الإجماع الوطني، ما يوجب على الحريصين بدء التفكير بما يتجاوز هذا الخناق.
مشكلة ثانية أظهرتها الحرب: أن التعاطي مع الدولة باعتبارها «شقة للإيجار» ليس إلّا، يكاد يهدّد الدولة والمجتمع والمقاومة على حدّ سواء. لا ينبغي للدولة أن تظلّ على هامش أولويات المقاومة. فهل لأحد منا أن يتخيّل انتخاب حاكم مصرف (مثل كريم سعيّد الذي جاء بموافقة الثنائي العظيم) مؤمن بضرورة إعلان جنوب لبنان، من الدامور حتى الناقورة، منطقة حظر جوي منزوعة السلاح، ثم نسأل بعدها كيف للوفد الحكومي أن يفرّط في السيادة اللبنانية؟
إنّ لسياسة الدولة الاقتصادية، والاجتماعية، فضلاً عن سياسات المصرف المركزي النقدية، دخالة رئيسية في مسألة الحرب والسلم، وفي هوية لبنان ووجهته. وكلها مسائل ينبغي أن تكون محل نقاش حقيقي، ومحل تفكير لاستيلاد طرح وطني جامع. لقد أهدر حزب الله 17 تشرين كفرصة لتشريع نوافذ بناء الدولة بنحو سليم وعلى أسس متينة قادرة على حماية المجتمع والمقاومة. وبغضّ النظر عن هواجس الحزب آنذاك واعتباراته، فإن شيئاً من مثل 17 تشرين اليوم بات أكثر من ضرورة. وحده وليد جنبلاط كان يعي خطورة الثورة على مركب رأس المال، الفساد، الولاء للغرب، وقتها (أذكر أنه وصف حراك الأيام الأولى لـ17 تشرين بأنه «7 أيار اقتصادي»). ولا أعتقد أن أحداً اليوم له الجرأة في الدفاع عن مثل هذا النظام القائم.
ثمة حاجة إلى التفكير بالدولة وبالمقاومة اليوم في فضاء خيال سياسي جديد. لا المقاربات الاستشراقية الطائفية باتت نافعة أو مُقنِعة، ولا منطلق التفكير الاستعاري عن توافقيات لا تمسّ لبنان وأزماته بصلة. وأمّا وقد وقعت الواقعة، فلنحاول التفكير ولو مرة واحدة، بمخرج من هذا العبث المستطير.