آخر الأخبار

لبنان إلى أين؟ بين الاستسلام السياسي واحتمالات الانفجار الداخلي.

7e925f75-412b-4062-9292-d06ef7b8722c

يوسف أبو سامر موسى*

يقف لبنان اليوم أمام واحدة من أكثر مراحله حساسية منذ انتهاء الحرب الأهلية. فالبلاد لا تواجه أزمة اقتصادية أو مالية فحسب بل تجد نفسها أمام مفترق سياسي واستراتيجي قد يعيد رسم طبيعة الدولة وخياراتها لعقود مقبلة. وما شهدته الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة من تطورات وما رافقها من مفاوضات مباشرة مع العدو الصهيوني المعتدي والمحتل لنحو 10% من مساحة لبنان انتجت اتفاق إطار لبناني “إسرائيلي”، شرعن وجود الاحتلال وغطى العدوان المتواصل والمستمر على قوى المقاومة، ورهن عودة النازحين وإعادة الإعمار بسحب سلاح المقاومة من كل الأراضي اللبنانية.. وكل ذلك بالتزامن مع ضغوط خارجية، وإملاءات مباشرة لزج الجيش اللبناني في أتون فتنة داخلية مع المقاومة وبيئتها…

كل ذلك أثار تساؤلات عميقة حول طبيعة المرحلة المقبلة؛ فهل يتجه لبنان نحو تسوية داخلية، أم نحو اضطرابات قد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانقسام؟

ويرى قطاع واسع من اللبنانيين أن ما جرى تجاوز كونه مفاوضات سياسية تقليدية ويعتبرونه استجابة لضغوط خارجية هدفت إلى فرض شروط تتصل بموقع لبنان الإقليمي ودور المقاومة فيه ومن هذا المنظور يُنظر إلى الحكومة برئاسة نواف سلام باعتبارها تتحمل مسؤولية خيارات يراها منتقدوها بعيدة عن المزاج الشعبي لفئات واسعة حتى إن البعض يصفها بـ حكومة العار فيما يرى آخرون أنها تحاول تجنيب البلاد مزيداً من الضغوط والعقوبات والانهيار… وبين هذين النظرتين لواقع الحال، تبقى الحقيقة رهن النتائج التي ستكشفها الأيام..

 ويذهب كثيرون إلى الاعتقاد بأن الوفد اللبناني لم يذهب إلى طاولة التفاوض من موقع الندّية بل من موقع الإكراه السياسي الناتج عن حجم الضغوط الدولية والإقليمية الأمر الذي يثير تساؤلات حول طبيعة الالتزامات التي قُدمت وحول مدى قدرة الدولة اللبنانية أصلاً على تنفيذها في ظل واقع داخلي شديد التعقيد. كما أن اختيار توقيت بعض الخطوات السياسية في العاشر من محرم بما يحمله هذا التاريخ من رمزية دينية ووطنية لدى جمهور واسع أضفى على المشهد بعداً سياسياً ونفسياً بالغ الحساسية وفسّره البعض على أنه رسالة تتجاوز الداخل اللبناني إلى محاولة فصل المسار اللبناني عن المسار الإقليمي ولا سيما عن إيران.

وفي هذا السياق يستحضر كثيرون الموقف الثابت الذي عبّر عنه الأمين العام السابق لحزب الله، الشهيد السيد حسن نصرالله عندما أعلن أن لبنان لن يكون “إسرائيلياً” يوماً من الأيام باعتباره موقفاً سيادياً يعكس رؤية شريحة واسعة من اللبنانيين لطبيعة الصراع مع إسرائيل ومن هذا المنطلق يرى منتقدو المسار الحالي أن أي تفاهم يُفهم منه أنه يكرّس واقعاً جديداً في العلاقة مع إسرائيل يُعد في نظرهم محاولة لإسقاط هذا الموقف التاريخي تماماً كما يعتبرون أن هناك سعياً لطمس الذاكرة الوطنية التي رسخها خطاب بنت جبيل بعد التحرير عام 2000 عندما وصف إسرائيل بأنها أوهن من بيت العنكبوت.. فهذا الخطاب لم يكن مجرد توصيف لما هو قائم، بل تحول إلى رمزٍ لمرحلة اعتقد فيها اللبنانيون أن الاحتلال يمكن هزيمته بالإرادة والصمود

ولعل ما يزيد من حساسية المشهد أن الذاكرة اللبنانية ما زالت تختزن تجربة اتفاق السابع عشر من أيار 1983 الذي وُقّع مع إسرائيل في ظل الاحتلال وبرعاية أمريكية. يومها اعتُبر الاتفاق لدى شريحة واسعة من اللبنانيين تعبيراً عن اختلال موازين القوى أكثر منه خياراً وطنياً حراً فواجه رفضاً سياسياً وشعبياً واسعاً ولم يصمد طويلاً قبل أن يُلغى تحت ضغط المقاومة والاعتراض الداخلي لذلك فإن استحضار تلك التجربة اليوم لا يعني بالضرورة التطابق بين الحدثين وإنما يعبّر عن خشية من أن أي تفاهم لا يستند إلى إجماع وطني ويتجاهل التوازنات الداخلية قد يلقى المصير ذاته ويُدخل البلاد في دوامة جديدة من الانقسام وعدم الاستقرار.

لكن السؤال الجوهري لا يتعلق بما التزم به المفاوضون بل بقدرتهم على تنفيذ تلك الالتزامات فلبنان بحكم نظامه الدستوري وتركيبته السياسية والطائفية لا يسمح لأي فريق التفرد بفرض خيارات مصيرية دون توافق وطني واسع. وقد صدرت بالفعل مواقف من شخصيات وقوى ضمن محور المقاومة تعتبر أن الوفد الذي فاوض لا يملك التفويض الدستوري ولا الميثاقية السياسية لاتخاذ قرارات بهذا الحجم الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمالات انسحابات حكومية أو تعطيل مؤسسات الدولة ويضع العهد برئاسة جوزيف عون أمام أول اختبار سياسي حقيقي.

وفي موازاة ذلك بدأت مؤشرات الاحتقان الشعبي بالظهور من خلال موجة احتجاجات أمام السراي الحكومي وفي مناطق مختلفة وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار الداخلي فهل تبقى هذه الاعتراضات ضمن الأطر السياسية والدستورية أم أن لبنان يتجه نحو مرحلة من الفوضى المدعومة خارجياً بهدف محاصرة المقاومة وإعادة تشكيل المشهد الداخلي بما يخدم مشاريع إقليمية ودولية؟ وفي المقابل هل ستدفع هذه الضغوط القوى المناهضة لهذا المشروع إلى مزيد من التصعيد بما يحول لبنان إلى ساحة صراع مفتوحة ويمنح إسرائيل فرصة لالتقاط أنفاسها وإبعاد المواجهة عن حدودها؟

إن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان اليوم ليس مجرد الخلاف السياسي بل تحوله إلى انقسام مجتمعي عميق. ومع ذلك فإن تصوير المشهد على أنه انقسام طائفي خالص لا يبدو دقيقاً إذ إن المواقف من العلاقة مع إسرائيل أو من خيار المقاومة لا تنحصر ضمن طائفة بعينها بل تتوزع داخل مختلف المكونات اللبنانية. ولذلك فإن الحديث عن فرز وطني أو سياسي قد يكون أكثر دقة من الحديث عن فرز طائفي وإن كانت محاولات الاستثمار في الخطاب المذهبي تبقى قائمة كلما اشتدت الأزمات، ويعيد هذا المشهد إلى الأذهان تساؤلات مؤلمة عن إمكانية تكرار سيناريو عام 1975صحيح أن الظروف المحلية والإقليمية تختلف اليوم عن تلك المرحلة إلا أن استمرار الضغوط الخارجية وتراجع الثقة بين المكونات اللبنانية وغياب التوافق حول القضايا السيادية كلها عوامل قد تجعل البلاد عرضة لمزيد من التوتر ما لم تتوافر إرادة سياسية حقيقية تمنع الانزلاق إلى المجهول.

إن المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً للدولة اللبنانية ولمختلف القوى السياسية فإما أن تتجه البلاد نحو تفاهم وطني يحفظ سيادتها واستقرارها ويمنع فرض الإملاءات الخارجية وإما أن يستمر التصعيد السياسي والشعبي بما يحول لبنان إلى ساحة استنزاف طويلة الأمد لا يستفيد منها سوى الاحتلال الإسرائيلي والقوى الساعية إلى إبقاء المنطقة في حالة صراع دائم.

ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح المستقبل: هل يستطيع من قدّموا هذه التعهدات تنفيذها في ظل رفض داخلي واسع، أم أن لبنان مقبل على مرحلة من المواجهة السياسية وربما الشعبية تعيد خلط الأوراق من جديد؟ فالإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير الحكومة أو العهد فحسب بل قد ترسم مستقبل لبنان كله في السنوات المقبلة.

—————-

 *باحث وكاتب سياسي فلسطين.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة