سجود عوايص
على عُجالة، وكحال جميع الاتفاقيات العربية مع العدو الإسرائيلي، كان القلم العربي هو الأكثر سيولة والأسرع توقيعاً وتنازلاً، مستبقاً قلم «الوسيط الأميركي»، بينما تحرّك القلم الإسرائيلي كمبضع جراحٍ متريّث، يرسم حدود سطوته وتفوّقه.
كانت هذه اللحظة الأولى من توقيع الاتفاق الإطاري في واشنطن. أمّا اللحظة التي تلتها، فهي اليد الحنون لسيمون كرم رئيس الوفد اللبناني، الذي ربت على كتف سفيرة بلاده في واشنطن، كأنما أنجزت الجزء التاسع من فيلم «مهمة مستحيلة». وبينما غصّ المشهد بالضحكات والأحضان والابتسامات، اتّسعت المفارقة مع أبناء الوطن الذين خرجوا قبل سويعات في الضاحية الجنوبية، لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وتجديد البيعة للمقاومة، وفي جنوبه حيث ما زال المرابطون كامنين بين أحجاره وأشجاره.
وعلى النقيض من المفارقة بين السياسي الذي يُقايض الضحكات بالأرض، والحاضنة الشعبية التي ترفع المقاومة بصمودها، يُستعاد التاريخ في بنود الاتفاق المشؤومة، وملحقه الأمني السري، ليُحيي في الأذهان العربية قصص اتفاقيات لبنانية-إسرائيلية، وعربية إسرائيلية، ببنود استسلام وملاحق سرية، وفشلٍ تلو فشل، ليصدق المثل في أنظمة اليوم والأمس: «اللي بجرب المجرّب… عقله مخرب».
الغريب، أن من يقود المسار «المجرّب» هذه المرة، ليس سياسياً ولا وريث رؤية حزبية ممتدة، بل هو قاضٍ سابق في محكمة العدل الدولية، ومدافع عن القانون الدولي من على منصة القضاء الدولي ومنابر الأمم المتحدة، وضليعٌ في تاريخ «إسرائيل» في التهجير والحروب والإبادة الجماعية والتطهير العرقي، ومقرٌّ له في بعض جوانبه، لكنه رغم ذلك كله، تبرّأ من القانون وجبّته، ولم يجد حرجاً في الانشغال، خلال عامٍ وأربعة أشهر من رئاسته للحكومة اللبنانية، في ملاحقة المقاومة وتعنيفها ومهاجمتها بالتصريح والتلميح، بدلاً من الانشغال في إعادة الإعمار وملاحقة الفساد وإصلاح البلد.
كما لم يجد حرجاً في الاحتفاء بالاتفاق، وتوزيع كلمات الشكر على الوسيط المنحاز للعدو، والأشقاء العرب، والأصدقاء الدوليين، بدلاً من التوقف عن ثغراته وسقطاته القانونية، مفضّلاً التعمية عليها بالقول: «إنه لا يتجاوز الالتزامات التي سبق أن توافق عليها اللبنانيون في اتفاق الطائف، والتي أعاد قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 التأكيد على ضرورة تنفيذها».
غير أن الالتزامات التي توافق عليها اللبنانيون في اتفاق الطائف، لم تتضمّن تقديم أرض لبنان «سراحاً براحاً» للعدو الإسرائيلي، ينطلق فيها تحت مبرّر أمنه، إذ وفقاً لصحفٍ عربية فإن لإسرائيل الحق في البقاء في جنوب لبنان ما لم ينزع الجيش اللبناني سلاح حزب الله، والمنظمات الأخرى في جميع مناطق لبنان، وهو ما أكّده نتنياهو حين قال: «إن الولايات المتحدة ولبنان وافقا على بقائنا في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان».
بهذا يثير الاتفاق إشكالاً قانونياً حول مدى اتساقه مع مبدأ عدم جواز اكتساب الأراضي بالقوة، ومع قاعدة احترام سلامة أراضي الدول المنصوص عليها في المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، بمنحه إسرائيل حق اكتساب أراضي الغير بالقوة، وإنشاء منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، وإلى أجلٍ غير مسمى، مغلفٍ بمسوغاتٍ أمنية وسياسية، ما يتشابه مع المنطقة العازلة في قطاع غزة، والخط الأصفر فيه، والمنطقة العازلة في سوريا، ويترك فجوات حول مدى اتساقه مع روح القرار 1701 الذي ربط استمرار الوجود الإسرائيلي بانسحاب متزامن مع انتشار الجيش اللبناني و«اليونيفل».
لا يقتصر الوجود الإسرائيلي على السيطرة فقط بل يمتد إلى حرية عملٍ عسكري مكفولة في جميع أنحاء المنطقة الأمنية، ما يقدّم للعدو مبرّر تسوية القرى اللبنانية في المنطقة بالأرض. بل ويتجاوز عن محاسبة المحتل والمطالبة بالتعويض والمُساءلة القانونية، بالتخلي في بنده الـ13 عن «وقف كل الأعمال العدائية أو الضارة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية»، وفي ذلك تقييد عملي أو سياسي لهامش لجوء لبنان إلى بعض المسارات القانونية الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية، ومحكمة العدل الدولية، ومجلس حقوق الإنسان الأممي، للمطالبة بمحاسبة وملاحقة إسرائيل عمّا ألحقته باللبنانيين وأرضهم وممتلكاتهم.
كما قد يُضعِف الحماية التي توفّرها المادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر تدمير الممتلكات والأعيان في الأراضي المحتلة، ويمتد إلى المادة 13 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي يكفل للإنسان حق التنقل والعودة إلى بلده، بعدم وجود ضمانات واضحة وسريعة لعودة اللاجئين، ما يمكن اعتباره تجاهلاً للتهجير القسري والطرد الإسرائيلي لأكثر من 1.6 مليون مواطن لبناني، بالنظر إلى أن الاتفاق لا يُلزِم إسرائيل بأي انسحاب، ولا يفرض ضمانات لعودة المهجّرين فور إبرامه، ما يبقيهم رهائن مسار غير مُحدّد المعالم – بعد توقيع الاتفاق حاول الرئيس اللبناني الالتفاف على هذا المأزق بالطلب من ترامب الضغط على إسرائيل للانسحاب من جنوب لبنان!
وهو طلبٌ مشروع، غير أنه فاقدٌ لأي قيمة -باستثناء قيمته كخبرٍ في الأرشيف- ذلك لأن الاتفاق فاقدٌ لأي مظلة أممية أو قانونية نزيهة، مثل الأمم المتحدة، أو منضبطة في خطابها الاستعماري مثل فرنسا، إذ إنه في جوهره مُوقّعٌ بين لبنان وإسرائيل الصغرى برعاية ووساطة إسرائيل الكبرى، وبإشرافها الصارم والمشروط بنتائج مُثبتة على الأرض، تبدأ عند ممارسة مهمة إسرائيل في تمشيط القرى اللبنانية ومحاصرة مقاومتها، ولا يبدو أنها تنتهي بأقل من احتكاكٍ لبناني داخلي في أحسن الأحوال، قد يتطور في أسوئها، وفق ما تتمنى إسرائيل الصغرى، إلى حربٍ أهلية.
في الواقع، يمتلئ الاتفاق بالعيوب والثغرات والتنازلات كقطعة جبنٍ سويسرية، وهي إلى ذلك عفنة، إذ يعترف فيه لبنان بحق إسرائيل في الوجود بـ«سلام» ويحصر حق المقاومة في ذاته ويتنازل عنه في الاتفاق نفسه: «لا يحق لأي طرف ثالث ممارسة حق الدفاع عن النفس نيابةً عنهما».
ولا ترى سلطته اللبنانية الموقّعة فجاجة في إقصاء بعض مكوّنات شعبها وأطيافها لصالح رؤية سياسية استعمارية عمياء، وتترك الخرائط والأرض والسيادة للعدو يسمح فيها بتقسيم البلاد والعباد، فيُفتح المجال لعودة بعض السكان (المسيحيين والدروز) ويُهجّر آخرون (شيعة)، وتُخضع حكومتها وجيشها لوصاية الولايات المتحدة (إسرائيل الكبرى) ولغتها (الاتفاق باللغة الإنكليزية فقط)، وتُعلِن استعدادها لمواجهة طرفٍ لبناني فاعلٍ على الأرض، لصالح طرفٍ محتل.
في المحصّلة، لا يُنهي الاتفاق، بأطرافه وصيغته الحالية، جولةً من الحرب، لكنه يُعيد تعريف السيادة اللبنانية نفسها، ويحوّلها إلى سيادة مشروطة بتقديرٍ أمني خارجي، منزوعة من حقها في الدفاع بالسياسة والسلاح والقانون، خاضعةً لإشراف العدو وإدارته لحدودها. هُنا لا يكون السؤال، هل يُنهي الاتفاق الحرب؟ بل، بأي شروط تُدير إسرائيل عدوانها على لبنان وحقه في تقرير أمنه وحماية حدوده؟ على العموم، يؤكد مسار التاريخ أن «اتفاقات التنازل» لا تُقاس بضجيج إعلانها، وإنما بما تتركه على الأرض من وقائع، وما ترسمه في النفوس من هزائم وانتصارات، وأن الإصرار على «ألّا ترى النور» كفيلٌ في كثيرٍ من الأحيان بنزعها من الأرض والذاكرة.
* كاتبة وباحثة فلسطينية مقيمة في ماليزيا