أبو الشريف رباح
كلما أعلن عن وقف لإطلاق النار عاد السؤال نفسه يفرض حضوره، هل توقفت الحرب فعلاً أم أنها غيرت شكلها فقط، وهل يكون وقف إطلاق النار مقدمة للسلام، أم مجرد فرصة لإعادة ترتيب الأوراق العسكرية تمهيداً لجولة جديدة من العدوان؟
منذ انخراط حزب الله في المواجهة مع إسرائيل في أكتوبر 2023 تحت عنوان إسناد غزة عاش لبنان واحدة من أكثر المراحل دموية وخطورة في تاريخه الحديث، ورغم التوصل إلى أكثر من اتفاق لوقف إطلاق النار لم تتوقف الغارات الإسرائيلية ولا عمليات الاغتيال ولا الخروقات اليومية وكأن إسرائيل أرادت أن تثبت أن الاتفاقات لا تلزمها إلا بالقدر الذي يخدم مصالحها العسكرية والسياسية والاستراتيجية.
في الثاني من آذار 2026 وبعد التطورات الإقليمية التي أعقبت المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران تجددت الحرب على الجبهة اللبنانية بصورة أكثر اتساعاً فشهد الجنوب موجات غير مسبوقة من القصف والتدمير وتوغلت قوات الاحتلال داخل عدد من البلدات الحدودية لتعود مشاهد الاحتلال والدمار والنزوح إلى الواجهة من جديد.
وعلى الرغم من إعلان وقف إطلاق النار في العشرين من حزيران 2026 فإن أصوات الانفجارات لم تغب عن الجنوب اللبناني واستمرت الغارات والتفجيرات والاستهدافات وإن بوتيرة أقل الأمر الذي يجعل الحديث عن وقف كامل لإطلاق النار سابقاً لأوانه، فالهدوء الحقيقي لا يقاس بانخفاض عدد الغارات بل بانعدامها ولا يقاس بالتصريحات السياسية بل بانسحاب قوات الاحتلال وعودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم بأمان.
ويبقى السؤال الأخطر، هل تنوي إسرائيل الانسحاب فعلاً من الأراضي اللبنانية التي احتلتها أم أنها تسعى إلى فرض واقع جديد يشبه ما فعلته في قطاع غزة والضفة الغربية؟ إن التجارب السابقة تدفع إلى القلق، فإسرائيل اعتادت تحويل الاحتلال المؤقت إلى أمر واقع ثم تبدأ بفرض ترتيبات أمنية جديدة تجعل الانسحاب أكثر تعقيداً مع مرور الوقت والزمن.
وما يزيد من هذه المخاوف هو الحديث عن مناطق أمنية أو مناطق تجريبية تفرض فيها قيود على حركة السكان وتمنع فيها العودة الكاملة بحجة حماية الحدود أو منع أي وجود عسكري للمقاومة، مثل هذه السياسات إن فُرضت لا تعني سوى تكريس الاحتلال بصيغة مختلفة وتحويل أجزاء من الجنوب اللبناني إلى مناطق معزولة تخضع لرقابة عسكرية إسرائيلية دائمة وهو ما يهدد حياة المدنيين ويقوض أي فرصة لاستقرار حقيقي.
أما القرى والبلدات الحدودية فقد تعرضت لدمار واسع طال المنازل والمدارس والمستشفيات ودور العبادة والبنية التحتية والحقول الزراعية، قرى بأكملها تحولت إلى ركام وعائلات فقدت أبناءها ومنازلها ومصادر رزقها، فيما لا يزال آلاف النازحين ينتظرون العودة إلى أرضهم التي نزحوا منها بفعل آلة الحرب الإسرائيلية.
ولا يستبعد كثير من المراقبين أن تحاول إسرائيل إقامة معابر ونقاط تفتيش وإجراءات مشددة بين القرى والبلدات الحدودية بحيث تصبح حركة المواطنين مرتبطة بموافقات وإجراءات أمنية إسرائيلية وهو ما يعني عملياً تقطيع أوصال الجنوب وعزل بلداته عن بعضها البعض وفرض واقع جديد يخدم أهداف الاحتلال الأمنية والسياسية.
إن ما يجري في جنوب لبنان لا يمكن فصله عما يجري في قطاع غزة حيث تحاول إسرائيل فرض خرائط جديدة، ومناطق عازلة، وممرات أمنية، وتغيير الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة العسكرية، ولذلك فإن الخشية مشروعة من انتقال هذه السياسات إلى الساحة اللبنانية إذا لم يكن هناك موقف دولي حازم يجبر إسرائيل على احترام الاتفاقات والانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية.
أما المشهد السياسي فلا يدعو إلى كثير من التفاؤل، فالحكومة الإسرائيلية الحالية تُعد من أكثر الحكومات تطرفاً في تاريخ إسرائيل وتتبنى نهجاً يقوم على القوة العسكرية وفرض الوقائع على الأرض قبل أي تسوية سياسية، وفي المقابل تبدو الإدارة الأمريكية مترددة في ممارسة ضغوط حقيقية تكفل تنفيذ الاتفاقات بصورة كاملة الأمر الذي يمنح إسرائيل هامشاً واسعاً للمناورة والاستمرار في سياسة فرض الأمر الواقع.
إن مستقبل الجنوب اللبناني لن تحدده بيانات وقف إطلاق النار وحدها بل سيحدده مدى التزام إسرائيل بالانسحاب الكامل ووقف جميع اعتداءاتها واحترام السيادة اللبنانية وتمكين الأهالي من العودة إلى قراهم وإعادة إعمار ما دمرته الحرب، أما إذا استمرت سياسة المماطلة والاحتلال والخروقات اليومية فإن وقف إطلاق النار لن يكون سوى عنوان سياسي لحرب لم تنتهِ بعد، بل دخلت مرحلة جديدة أكثر تعقيداً قد تكون أخطر من المواجهة العسكرية نفسها لأنها تهدف إلى تثبيت وقائع يصعب تغييرها مستقبلاً.