بقلم: عصام الحلبي
في زمن أصبحت فيه المعركة على الوعي لا تقل أهمية عن المعركة على الأرض، برزت الدكتورة دلال عريقات كواحدة من أبرز الأصوات الفلسطينية التي استطاعت أن تنقل القضية الفلسطينية إلى المنصات الدولية بلغة سياسية وأكاديمية تجمع بين المعرفة القانونية والخبرة الدبلوماسية والقدرة الإعلامية.
ففي الوقت الذي استثمرت فيه إسرائيل مليارات الدولارات لبناء ماكينة إعلامية ضخمة تسعى إلى تبرير سياساتها وتسويق روايتها أمام العالم، كان الفلسطينيون بأمسّ الحاجة إلى شخصيات تمتلك أدوات الخطاب الحديث، وتخاطب الإعلام الغربي بلغته ومنطقه، دون أن تتخلى عن ثوابت القضية الفلسطينية. وهنا تبرز أهمية حضور دلال عريقات.
لا يعتمد خطابها على الشعارات أو الخطابات العاطفية وحدها، بل يرتكز إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويقدم الرواية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب يناضل من أجل الحرية وتقرير المصير، وهو ما منح مداخلاتها مصداقية لدى العديد من وسائل الإعلام الدولية والدوائر الأكاديمية. كما أن خلفيتها الأكاديمية في الدبلوماسية والتخطيط الاستراتيجي، إلى جانب أبحاثها حول حق الفلسطينيين في تقرير المصير، عززت هذا النهج.

وخلال السنوات الأخيرة، كانت عريقات من الوجوه الفلسطينية الأكثر حضوراً على الشاشات العربية والدولية، حيث واجهت الرواية الإسرائيلية بالحجة والوثيقة، وسعت إلى تفكيك الخطاب الذي يحاول تصوير الاحتلال باعتباره “دفاعاً عن النفس”، في مقابل تجاهل جذور الصراع المتمثلة في الاحتلال والاستيطان وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية.
لقد أدركت أن معركة اليوم لا تُحسم بالسلاح فقط، بل أيضاً بالقدرة على التأثير في الرأي العام العالمي، وأن الصورة والكلمة والمعلومة الموثقة أصبحت أدوات نضال لا تقل أهمية عن أي وسيلة أخرى. ولهذا ركزت في خطابها على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة يفهمها، مستندة إلى القانون الدولي والبعد الإنساني، ومؤكدة أن كسب معركة الرواية بات جزءاً أساسياً من الدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
ولا يمكن إغفال أن حضورها السياسي والإعلامي جاء امتداداً لمدرسة فلسطينية آمنت بأن الدبلوماسية والإعلام يشكلان ركيزتين أساسيتين في معركة التحرر الوطني، إلا أنها استطاعت أن تصنع شخصيتها المستقلة من خلال نشاطها الأكاديمي والإعلامي، وليس فقط من خلال إرث عائلتها أو مكانتها السياسية. وقد تعزز حضورها الوطني مؤخراً بعد انتخابها عضواً في المجلس الثوري لحركة فتح، وحصولها على أعلى الأصوات، في مؤشر على الثقة التي حظيت بها داخل الحركة.
إن القضية الفلسطينية تحتاج اليوم إلى المزيد من الشخصيات القادرة على خوض معركة الوعي، وتفنيد الرواية الإسرائيلية بالحجة والوثيقة، وإيصال صوت الفلسطيني إلى العالم بلغات متعددة وأدوات إعلامية حديثة. وفي هذا السياق، تمثل دلال عريقات نموذجاً لصوت فلسطيني يجمع بين الفكر والسياسة والإعلام، ويؤكد أن الدفاع عن فلسطين لا يكون فقط في ميادين المواجهة، بل أيضاً في الجامعات، ومراكز الأبحاث، واستوديوهات التلفزة، وكل منصة يمكن أن تصل منها الحقيقة إلى الرأي العام العالمي.
فالرواية الفلسطينية، مهما تعرضت لمحاولات التشويه، ستبقى أقوى عندما يحملها أصحاب المعرفة والكفاءة، ويقدمونها للعالم بلغة الحق والقانون والإنسانية.