سعد الله مزرعاني
ينهمك رئيس الجمهورية باستقبال الوفود، التي تمَّ استدعاء معظمها على عجل، من أجل تأييد موقفه وموقف رئيس الحكومة بتوقيع اتفاق واشنطن في 26/6/2026. تُنقل مطالعاته على الهواء مباشرة في مطالع نشرات أخبار القنوات التي اختارت تسخير شاشاتها لتأييد نهج سلطة الثنائي عون/ سلام قبل وبعد توقيع الاتفاق المذكور.
لا يفوت أيّ مراقب، أن الرئيس عون يستأنف، من خلال ذلك أيضاً، جهداً مُركّزاً من أجل تعزيز دور الرئاسة الأولى. يحدوه في ذلك هدفان:
الأول، فئوي، خلافاً لتعديلات «الطائف» بشأن صلاحيات الرئاسة الأولى (ولمواصلة قطع الطريق على إصلاحاته).
الثاني، شخصي، بهدف تكوين حيثية سياسية وشعبية تفتقر إليها تجربته المقتصرة على الحقل العسكري.
الأمران المذكوران يتكاملان في خدمة المهمة التي أوكلت إليه وإلى رئيس الحكومة كشرط لتبوّئهما المنصبين، بإحداث تحوّل انعطافي جذري في التوازنات الداخلية والخارجية اللبنانية. يقع كل ذلك، طبعاً، في سياق نتائج العدوان الإسرائيلي المتواصل على لبنان، وعدوان واشنطن وتل أبيب على إيران، وكذلك «الانقلاب» في سوريا، وخطة ترامب التصفوية في غزة أواخر أيلول الماضي.
في 28 شباط الماضي حصل العدوان الأميركي-الإسرائيلي على إيران. أوّله كان اغتيال المرشد السيد علي الخامنئي وعدد من أفراد عائلته ومساعديه. صادف ذلك انقضاء نحو 15 شهراً على ممارسة سياسة عدم الرد، من قبل المقاومة، على الانتهاكات الإسرائيلية الجسيمة لاتفاق «وقف الأعمال العدائية». شكّلت الصواريخ الستة التي أطلقها «حزب الله»، ذريعة لإطلاق مسار هجومي متكامل من قبل رأسَي السلطة التنفيذية استهلّاه بقرار تصنيف الجناح العسكري في «حزب الله» خارجاً عن القانون. شكّل القرار المذكور حدثاً نوعياً في سلسلة إجراءات مماثلة متواصلة استهدفت «حزب الله» وخياره المقاوم وبيئته في الحقول كافة، الأمنية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية والسياسية…
فلنعد إلى منطلق حكاية الرئيسين جوزيف ونواف. في ظروف مشابهة لما كان يعانيه لبنان وشعبه من احتلال إسرائيلي وانحياز أميركي، أثناء انتخاب الأول وتكليف الثاني، الردّ الطبيعي والصحيح والوطني المطلوب من قبل أي سلطة جديدة، هو بلورة خطة وطنية شاملة (رسمية وشعبية) لمواجهة المحتل المعتدي ودفعه إلى تطبيق الاتفاق الذي وقّعه، بمبادرة ووساطة أميركيتين، مع الحكومة اللبنانية، أواخر تشرين الثاني عام 2024. رئيسا الجمهورية والحكومة لم يكونا مُهيَّأَيْن لمهمة مماثلة. هما وصلا إلى السلطة، لا من أجل مواجهة المحتل، بل من أجل مواجهة من يواجهه! لا داعيَ لاستعادة ما سبق الانتخاب ورافقه من تدخّلات ومهازل.
بعد ضمان الكرسي، بادرا إلى رفع شعار استعادة «قرار السلم والحرب» ومقولة «حصرية السلاح» في يد الدولة. أمّا مسألة الاحتلال، فوسيلتها الحصرية هي المفاوضات والتعويل على «أصدقاء لبنان» بعد «فشل» المقاومة. طيلة سنة كاملة من ممارسة السلطة لم يحرّكا ساكناً ضد إمعان المحتل في ممارسة القتل والتدمير والتهجير بدعم أميركي… إلى أن «بجّ» الرئيس عون مبادرة «المفاوضات المباشرة» فيما يشبه الاستجداء ووفق خلل قاتل لجهة مبدأ وظروف وتوازنات انعقادها. كانت عُدّة الشغل، في التوجّه والتبرير والرهان، قد اكتملت. سرعان ما تجلّى ذلك في المفاوضات وفي شروط إجرائها ونتائجها، وفي الاتفاق المسخ الذي وُقّع في واشنطن بعيداً عن المؤسسات الدستورية المعنية.
للتبرير، ركّزت المطالعات المتلفزة لرئيسَي الجمهورية (خصوصاً) والحكومة، على أربعة أمور: الأول: الحرب هي «حرب الآخرين».
الثاني: سقوط خيار المقاومة ومحورها وعجزهما عن مواجهة أميركا وإسرائيل.
الثالث: غياب أي بديل آخر من واشنطن رغم أنها الداعم الأكبر للمعتدي.
رابعاً: الاتفاق أفضل الممكن.
لن نبدأ النقاش من التذكير بأهداف ومخاطر المشروع الصهيوني في لبنان والمنطقة. لن نبدأ، أيضاً، من التأكيد على الأهمية السياسية والأخلاقية للتضامن مع الشعب الفلسطيني ضد حرب الإبادة (رغم أن هذين هما أحد أهم شروط الوحدة الوطنية بين اللبنانيين).
يبدأ النقاش، ببساطة، من الخلل في أصل المقاربة المُعتمدة: «المشكلة في المقاومة وليست في الاحتلال»! هذه هي المعادلة التي وجّهت عمل ومواقف رأسَي السلطة التنفيذية منذ تولّيهما المسؤولية حتى اليوم. وهي تفسّر لماذا أدارا الظهر لحكومة وحدة وطنية حقيقية.
ثم، لماذا رفعا شعار «حصرية السلاح» في زمن الاحتلال وتصنيف المقاومين خارجين عن القانون والمساهمة في حصارهم سياسياً ومادياً. كذلك لماذا تعمّدا استفزاز طهران وقطع العلاقات معها لحساب وصاية أميركية شاملة على لبنان: وصاية لا أولوية لها سوى تمكين العدو من تحقيق كامل أهدافه بكل وأبشع الوسائل وأكثرها وحشية وإجراماً. ولماذا أيضاً، وبذريعة سيادة مضلّلة وبائسة، رفضا بديلاً من المفاوضات المباشرة المُقترنة بالقتل والدمار والتهجير، مخرجات «إسلام آباد»، حيث وافق الأميركي عليها مُكرهاً، ثم تملّص منها بحجة الرفض الرسمي اللبناني.
رغم كل ذلك، لم تسر الأمور على النحو الذي أراده الفريق الأميركي ومعه الثنائي الرئاسي. صمدت إيران. فاجأت المقاومة الجميع بتعافيها ومواجهتها الفعّالة للمحتل الذي تعاظمت خسائره البشرية خصوصاً. افتُضحت المفاوضات، بعد الاتفاق، بأنها كانت عملية تنسيق بين أطراف فريق واحد في مواجهة المقاومة وأكثرية اللبنانيين. لخّص الزعيم وليد جنبلاط، قبل أيام، ذلك بشكل دقيق: «كانوا فريقاً واحداً. الاتفاق أملته إسرائيل. هي لا تريد السلام»!
يكابر الرئيس عون في تمسّكه بالمسار نفسه. زيّن له أحد مستشاريه، أن التجديد ممكن، كما حصل أثناء الوصاية السورية البائدة، بالمثابرة على الولاء للوصاية الأميركية السائدة. هل ثمة من سيسير إليه، مستدركاً، بأن التراجع عن الخطأ فضيلة وطنية؟!
* كاتب وسياسي لبناني