آخر الأخبار

إبراء الإبادة وشرعنة الإفلات: قراءة قانونية في إسقاط السلطة اللبنانية لحقوق الضحايا

e4a9eb26-b7ae-4b3a-bab8-2689217ea641

أديب إسماعيل محفوض

بين الصياغات الدبلوماسية المُبرمة خلف الأبواب المغلقة ودماء الضحايا المنسكبة تحت ركام المدن والقرى، تتسع فجوة وجودية لا يمكن ردمها ببيانات التبرير السياسي. لم يعد التنازل في الحالة اللبنانية مجرّد استنتاج تحليلي، بل تبلور كحقيقة وثائقية صادمة في اتفاق الإطار الموقّع بين السُّلطة اللبنانية والعدو الإسرائيلي في واشنطن بتاريخ 26 حزيران 2026؛ إذ جاء البند الثالث عشر من هذا الاتفاق ليكبّل يد الدولة ويصادر حقها وحق شعبها في ملاحقة المعتدي أمام المحاكم الدولية.

إن المسألة هنا تتجاوز الحسابات السياسية الآنية لتلامس جوهر القانون الدولي الإنساني؛ فإقدام السُّلطة على توقيع بندٍ كهذا لا يمثّل مجرّد إجراء تقني لإنهاء نزاع، بل هو توقيع علني على وثيقة انخلاعها القانوني والأخلاقي، وتفكيك بنيوي للعقد الاجتماعي الذي يربط المواطن بالدولة. في بلدٍ واجه فيه الشعب إبادة مشهودة وعاش فصولاً من التنكيل الممنهج، يأتي هذا الاتفاق ليمنح المعتدي صك غفران قضائيّاً مجانيّاً على حساب أنين الضحايا ومستقبل العدالة.

جدار القواعد الآمرة

من الناحية القانونية الصرفة، لا تمتلك السُّلطة السياسية في أيّ دولة تفويضاً مطلقاً يتيح لها المقايضة على الجرائم الدولية الكبرى. في القانون الدولي المعاصر، تُصنّف الجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة الإبادة الجماعية، ضمن ما يُعرف بالقواعد الآمرة، وهي القواعد العليا التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو التحلل منها بناءً على المادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969. تشير هذه المادة بوضوح لا لبس فيه إلى أن أيّ معاهدة أو اتفاق ينطوي على مخالفة قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام يُعتبر باطلاً بطلاناً مطلقاً بحد ذاته.

بناءً على ذلك، فإن الحق في ملاحقة مرتكبي جريمة الإبادة وجرائم الحرب ليس ملكية خاصة للحكومات تتصرف بها كيفما تشاء في سوق المقايضات السياسية، بل هو التزام دولي متبادل تجاه المجتمع الدولي ككل. وعندما تقبل السُّلطة اللبنانية ببندٍ يكبّل يدها عن اللجوء إلى العدالة الجنائية الدولية، أو يتضمن تعهداً مباشراً أو غير مباشر بعدم ملاحقة قادة وجنود العدو الإسرائيلي، فإنها تقترف مخالفة جسيمة لروح القانون الدولي. هذا التنازل يفتقر إلى المشروعية القانونية الدولية، لأن السُّلطة الوطنية لا تملك الحق في إبراء ذمة مرتكب الجرائم ضد الإنسانية، فالولاية القضائية على هذه الجرائم تتعدّى حدود الإرادة الثنائية للدول لتصبح مسؤولية قانونية تقع على عاتق المجتمع الإنساني بأسره.

حظر التحلُّل التعاهدي

إذا تتبّعنا الالتزامات الدولية المفروضة بموجب المعاهدات التي انضم إليها لبنان، نجد أن تنازل السُّلطة السياسية عن حق الملاحقة يمثل انتهاكاً صارخاً لالتزامات الدولة الدستورية والدولية معاً. تنص اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وتحديداً في مادتها الخامسة، على أن الدول الأطراف تلتزم باتخاذ التدابير التشريعية اللازمة لتوفير عقوبات جزائية فعّالة بحق الأشخاص المرتكبين لهذه الجريمة، كما تؤكد مادتها السادسة على وجوب محاكمة المتهمين أمام محكمة صالحة من محاكم الدولة التي ارتُكب الفعل على أرضها، أو أمام محكمة جزائية دولية.
بالإضافة إلى ذلك، فإن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 تفرض في موادها المشتركة الخاصة بالمخالفات الجسيمة-وتحديداً المادة 51 من الاتفاقية الأولى، و52 من الثانية، و131 من الثالثة، و148 من الرابعة-التزاماً قطعياً بالبحث عن الأشخاص المتهمين باقتراف هذه المخالفات، أو الأمر باقترافها، وبتقديمهم للمحاكمة أياً كانت جنسيتهم.

إقدام السُّلطة السياسية على توقيع بندٍ بعدم محاكمة إسرائيل لا يمثّل مجرّد إجراء تقني لإنهاء نزاع بل هو توقيع علني على وثيقة انخلاعها القانوني والأخلاقي

ولا تملك أيّ دولة طَرَف، بموجب هذه المواد الصارمة، أن تُعفي نفسها أو تُعفي دولة أخرى من المسؤوليات القانونية والمادية المترتبة على تلك الانتهاكات، كالقتل العمد، والتعذيب، وتدمير الممتلكات على نطاق واسع دون ضرورة عسكرية. بالتالي، فإن الصياغة التي قبلت بها السُّلطة اللبنانية في اتفاق الإطار، والتي تؤدي وظيفياً إلى تحصين العدو من الملاحقة القضائية، تشكل نكوصاً خطيراً عن هذه المواثيق، وتضع السُّلطة في موقع الشريك الصامت في إفلات المجرمين من العقاب، وهو أمر يجرّدها من مصداقيتها ويجعلها في حالة خرق مستمر لالتزاماتها الآمرة.

بطلان الاحتكار السيادي للعدالة

تتذرّع السُّلطة السياسية غالباً بمفهوم مشوّه للسيادة الوطنية لتبرير قراراتها الكبرى في السلم والحرب، لكنّ السيادة في المنظور القانوني المعاصر ليست درعاً يمنح الحكام حق التنازل عن دماء مواطنيهم. إن الحق في الانتصاف القضائي الفعّال هو حق أساسي من حقوق الإنسان اللصيقة بالمرء، ولا يمكن إسقاطه بالوكالة. تؤكد المادة الثانية من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لعام 1966 على التزام كل دولة طَرَف بضمان توفير وسيلة تظلم فعّالة لأيّ شخص انتهكت حقوقه أو حرياته المعترف بها في العهد، حتى لو كان الانتهاك قد ارتُكب من قِبل أشخاص يتصرفون بصفة رسمية.

إن قرار السُّلطة اللبنانية بحرمان ضحايا الإبادة والتهجير والقتل الممنهج من الوصول إلى المحافل القضائية الدولية يمثّل مصادرة تعسفية لملكية الحق الإنساني. إن دماء الأطفال الذين قضوا تحت الأنقاض، والأمهات اللواتي شُرّدن، والعائلات التي أُبيدت شجراتها بالكامل، ليسوا أوراقاً تفاوضية في جعبة وزير أو رئيس. من هنا، يبرز مبدأ الولاية القضائية العالمية كأداة قانونية تتجاوز عجز السُّلطات أو تآمرها؛ إذ تتيح للمحاكم الوطنية في دول أخرى ملاحقة مرتكبي الجرائم الدولية بغض النظر عن مكان الجريمة أو جنسية الضحية والمجرم. هذا المبدأ بحد ذاته يؤكد أن إرادة السُّلطة اللبنانية في التنازل تظل عاجزة عن إغلاق أبواب العدالة تماماً، وإن كانت تكشف عن عجز بنيوي يعتري هذه السُّلطة التي ارتضت أن تكون حارساً لإفلات عدوها من العقاب.

انهيار المشروعية الأخلاقية

بالتوازي مع الالتزامات القانونية الموثَّقة، تتبدّى المسألة في أبعادها الإنسانية والاجتماعية كفعل تخلٍّ بنيويّ يضرب عمق العلاقة بين السُّلطة والمجتمع. يعيش الشَّعب اللبناني، ولا سيّما الفئات التي تحمّلت العبء الأكبر من آلة الحرب الإسرائيلية، آثار إبادة جماعية لا يمكن اختزالها في مجرد مصطلح قانوني يُتنازع على تعريفه في أروقة المحاكم، بل هي تجربة معيشة مطبوعة بالدمار، وتتمثّل في محو أحياء سكنية كاملة، وتصفية وجودية لعائلات بأكملها، وتمزيق النسيج الاجتماعي والأسري لآلاف البشر.

تتذرّع السُّلطة السياسية غالباً بمفهوم مشوّه للسيادة الوطنية لتبرير قراراتها الكبرى في السلم والحرب

في لحظة تاريخية فارقة كهذه، يفترض المنطق السيادي أن تكون الدولة هي الأداة القانونية والدبلوماسية لتجسيد مظلومية شعبها في المحافل الدولية، وتحويل التضحيات الإنسانية إلى ملفات اتهام تلاحق الجناة. لكن السُّلطة اللبنانية، باختيارها مسار التنازل الطوعي عن الملاحقة القضائية، أعلنت سقوطها المدوّي أمام مجتمعها. هذا السقوط لا يُقاس بالخسائر السياسية التقليدية، بل بحجم الخذلان الاجتماعي الذي أصاب عائلات الشُّهداء والجرحى والمهجَّرين.

إن السُّلطة التي تُقدّم صك براءة قضائياً مبطناً للعدو الذي استباح دماء أبنائها، تُبلِّغ مواطنيها صراحة أن حيواتهم وتضحياتهم لم تكن سوى أوراق تفاوضية ثانوية تم هدرها على مذبح التسويات الدبلوماسية الهشة. هذا الانخلاع الأخلاقي يجرّد السُّلطة من أهليتها التمثيلية، ويحيلها في الوعي الجمعي إلى مجرد أداة لإدارة الانكسار وتكريس واقع الإفلات من العقاب.

تفكيك العقد الاجتماعي

تستمد أيّ دولة في الفكر السياسي المعاصر شرعيتها الأخلاقية والوجودية من قدرتها على تحقيق وظيفتين تلازميّتين: الحماية والعدالة. وعندما تعجز الدولة عن توفير الحماية لمواطنيها في مواجهة عدوان خارجي، يتطلع المجتمع تلقائياً إلى أن تسعى السُّلطة السياسية على الأقل لتحقيق العدالة بأثر رجعي عبر تفعيل المسارات القانونية والدبلوماسية المتاحة؛ إذ يشكل هذا التحرك الحد الأدنى اللازم لإعادة الاعتبار السياسي والحقوقي للكرامة الوطنية.

لكن عندما تتنازل السُّلطة طواعية عن هذا الواجب القضائي، فإنها تقْدم على تفكيك العقد الاجتماعي الذي يربطها بالمجتمع. لم يعد الأمر هنا مجرّد تقصير إداري أو عجز في موازين القوى، بل تحوّل إلى تقويض مباشر لجوهر المواطنة ذاته؛ إذ يصبح المواطن في عُرف هذه السُّلطة كائناً مجرداً من الحماية القانونية، وتتحول التضحيات الإنسانية الهائلة من رصيد وطني وتاريخي إلى مجرد عبء تفاوضي تسعى السُّلطة للتخلص منه في سوق المساومات.

هذا التصدّع يُنتِج بالضرورة حالة عارمة من الاغتراب السياسي والاضطهاد المركَّب؛ فالمجتمع لا يعاني فقط من تداعيات العدوان الخارجي، بل يواجه أيضاً خذلان السُّلطة المحلية المُفترض بها صيانة حقوقه. إن المنظومة التي تتنازل عن حقوق ضحاياها تفقد مبرّر وجودها الأخلاقي، وتتحول في الوعي الجمعي إلى هيكل إجرائي فارغ من القيم، عاجز عن فرض الاحترام أو إلهام الانتماء.

حصانة الحق الجنائي للضحايا

تُثبِت التجارب الإنسانية المتعاقبة أن التسويات السياسية المُبرمة على حساب العدالة الجنائية تفتقر إلى مقوّمات الديمومة، وأن الحقوق الناشئة عن الجرائم الدولية لا تسقط بالتقادم ولا تُمحى بقرارات السُّلطات العابرة. إن محاولات منح قادة العدو حصانات إجرائية لحمايتهم من الملاحقة القضائية عبر اتفاقيات ثنائية لن تبدّل من التكييف القانوني للأفعال؛ فالانتهاكات الجسيمة التي شهدها لبنان تظل جرائم دولية موثّقة ومستوجبة للمحاسبة بغضّ النظر عن المسارات الدبلوماسية.

إن مجتمعات الضحايا، والمنظمات الحقوقية المستقلة، وشبكات التضامن المدني العالمي، باتت تمتلك اليوم من الآليات القانونية والمنصات الحقوقية ما يتجاوز الاختناقات السياسية التي تفرضها الأنظمة. سيظل ملف الإبادة الجماعية وجرائم الحرب مفتوحاً في أرشيف القضاء الدولي وفي الوعي الحقوقي العالمي، ولن تفلح أيّ هندسة دبلوماسية في إسقاط المسؤولية الجنائية الفردية عن مرتكبي الفظائع. إن الإجراء الذي أقدمت عليه السُّلطة اللبنانية يُسجِّل انكساراً كبيراً في تاريخها السياسي، لكنه لن يمثّل الكلمة الأخيرة في مسار المحاسبة؛ فالعدالة في فقه القانون الدولي المعاصر ليست هبة سياسية يصيغها الحكّام، بل هي استحقاق حقوقي تصنعه تضحيات المجتمعات، وتصونه الذاكرة الجماعية التي لا تملك حق النسيان أو تفويض الغفران.

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة