آخر الأخبار

إسرائيل وإمبراطورية عزمي بشارة

fab83e84-eb1e-45a8-a4b7-8f1b740f85ba

غازي العريضي

كثيرة ومتنوّعة القضايا والمواقف التي اعتدتُ تناولها على هذه الصفحة. والأسبوع الماضي كان حافلاً بالأحداث والمحطات والمواقف، وبالقضايا المترابطة، التي تحتاج إلى مقالات متتالية لمعرفة التعاطي معها وما يمكن أن ينتج عنها، واللعبة بكلّ جوانبها وأطرافها “وعدّتها” تجري على أرضنا العربية. لكنني اليوم اخترت الكتابة عن موضوع يندرج في صلب المعركة مع إسرائيل، يتعلّق بـ”العقل العربي” و”مبادرة العربي” و”موقع العربي وتأثيره”، بعد التقرير الخطير الذي أوردته صحيفة معاريف الإسرائيلية، وتناولت فيه دور المفكّر العربي عزمي بشارة وتأثيره، ووقوف قطر إلى جانبه. ويحمل التقرير تهديداً مبطّناً له ولقطر، فرأيت من الواجب تناوله والوقوف عنده، ليس لأنّه استهدف موقع رجلٍ ذي قيمة فكرية وسياسية وثقافية وعلمية وعملية فقط، وأعرفه منذ عقود وربطتنا علاقة قناعات مشتركة لا تزال قائمةً وأعتزّ بها، فإن اتفقنا أو اختلفنا في وجهة نظر فإن العقل يجمع، والأفكار والبحث عن الحقيقة يجمعان، والأهم خوض المعركة بقوة المنطق والحجّة والبراهين والأدلة، فتبقى الذاكرة حيّةً ونعرف كيف نتعاطى مع الحاضر ونحاول حماية المستقبل.

كتب ميخائيل كلاينر: هكذا سنُفشل مشروع عزل دولة إسرائيل الذي يقوده عضو الكنيست السابق عزمي بشارة

ماذا كتبت “معاريف”؟ كتبت أنّ “عزمي بشارة أخطر على إسرائيل من أردوغان وخامنئي”؟ وَلَو؟؟ من يصدّق؟؟ كيف؟؟ لماذا؟؟ أفردٌ عربيّ يُشكّل خطراً على إسرائيل أكثر من خامنئي وأردوغان اللذين تخوض معارك مفتوحة ضد بلديهما، وقتلت الأول وتهدّد الثاني وتحذّر من خطره، في وقت تعتبر فيه نفسها الدولة الأقوى في المنطقة، والقادرة على فعل كل شيء ويدها تطاول كلّ شيء، وتريد تحقيق أهدافها الاستراتيجية الكبيرة بتكوين “شرق أوسط جديد” يكرّس نفوذها، فهل يُعقل أن مفكّراً يشكّل خطراً عليها أكثر من دول؟
كتب صاحب المقال (التقرير)؛ ميخائيل كلاينر، وهو رجل قانون وعضو سابق في الكنيست، ويشغل منصب رئيس محكمة الليكود منذ يوليو/ تموز 2013، “المعركة على أميركا: هكذا سنُفشل مشروع عزل دولة إسرائيل الذي يقوده عضو الكنيست السابق عزمي بشارة. العدو الأكثر خطورة من أردوغان وخامنئي معاً”. تحدّث عن المتغيّر في المزاج الأميركي تجاه إسرائيل ودور بشارة فيه، وتنامي أصوات ترى إسرائيل عبئاً على الولايات المتحدة لا “أصلاً استراتيجياً”، ولو حمّل “الدولة” نفسها مسؤوليةً في تعاطيها بسبب “الشعور بالاطمئنان الزائد”. تحدّث عن التحوّلات في مسار العلاقات مع إسرائيل، ومحاولات العرب استخدام “سلاح النفط” للتأثير في واشنطن والعلاقات بين إسرائيل وأميركا في عهود رؤساء أميركيين عدّة وما يجري داخل الحزبين الديموقراطي (تقليدي إلى حدّ ما) والجمهوري، وهذا جديدٌ لافت، بسبب ممارسات إسرائيل وسمعتها السيئة في العالم، حيث “لم تعد إسرائيل موضوعاً لتأييد غير قابل للنقاش” كما قال. هنا وصل إلى حد اعتبار مصطلح “إمبراطورية الشرّ” التي يقودها عزمي بشارة، وأثرت في “تراجع العلاقات الإسرائيلية الأميركية”، وكتب “العلاج يحتاج إلى تشخيص. يجب فهم أن التدهور ليس مصادفة، نحن أمام منظومة ذات تنظيم وتخطيط لعدو يتمتّع بالعزيمة والموهبة والتركيز ولديه نفس طويل، يعمل بصبر ودهاء لتقويض ما يراه الدعامة التي لا بديل لها لدولة إسرائيل. ولهذا العدو وجه واسم. إنه موجود في قطر، ولا يمكن عدم رؤية بصمات العقل المدبّر والمخطّط والموجّه للجهد القطري عزمي بشارة”.
هذا الذي يدعو الى التشخيص يتجاهل مئات الملايين من البشر في حكومات وأحزاب ودول مؤيّدة لإسرائيل “وحقّها في الدفاع عن نفسها” من أميركا إلى مواقع كثيرة خرجت إلى الساحات مندّدة بـ”الإبادة الجماعية” ضد الفلسطينيين، والقتل والإجرام والأرض المحروقة والاحتلال والتوسّع والاستيطان، وتجاهل القرارات الدولية وقرارات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وتهديد أميركا قضاتها لمنعهم من إدانة إسرائيل، وقد اضطرّت حكوماتٌ إلى إصدار قراراتٍ بحقّ مسؤولين إسرائيليين في الحكومة ومستوطنين تمنعهم من دخول أراضيها، وفرضت عقوباتٍ على بعضهم، وصدرت أصوات تُطالب بمقاطعة إسرائيل وتعليق الاتفاقات معها من أوروبا إلى آخر أصقاع الأرض، وقد خرج آلاف من المؤثرين على مواقع التواصل الاجتماعي، من فنانين وموسيقيين ورياضيين وكتّاب ومؤرّخين وعلماء ومفكّرين وباحثين وعارضي أزياء وعارضات وتجار ونقابيين وطلاب جامعات وإعلاميين، في وجه ترامب، ممن كانوا من مؤيديه وكشفوا الحقيقة، بتورّطه في حرب “ليست حربنا” ووجّهوا دعواتٍ إلى وقفها وقالوا: “لسنا مسؤولين عن حروب غيرنا”، “لسنا مستعدّين لتمويل حروب غيرنا على حساب حياتنا ومستقبلنا”، إضافة الى اهتزاز علاقات أميركا الدولية، بدءاً من “الناتو” وصولاً إلى أقرب الحلفاء والأصدقاء على مساحة العالم، وإلى خروج الرئيس الأميركي الذي أعطى إسرائيل ما لم يعطها أحد في تاريخ العلاقات الإسرائيلية الأميركية إلى “تأنيب وتوبيخ” نتنياهو، وإشهار الغضب في وجهه وتحميله مسؤولية “الكراهية” التي تتنامى ضده وضد إسرائيل!
تجاهل كلاينر اعتراف رئيس المؤتمر اليهودي بالفشل في تلميع صورة إسرائيل والدفاع عنها ومواجهة الحملات ضدها، بعد رصد مئات ملايين الدولارات من أجل هذا، واعتراف غيره بخروج الأمور عن السيطرة في التأثير في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وعقول الناس ومشاعرهم الإنسانية وغضبهم مما ترتكبه إسرائيل، فهل هذا كله يتحمّله عزمي بشارة الذي يتصدّر أولى صفحات “العربي الجديد” التي أسّسها ويرعاها أن إيران تعتدي على الدول العربية، وكذا في وسائل الإعلام التي يشرف عليها، وفي كتاباته، ليطلقوا “التهديد المبطّن” ضده بإعلانهم الواضح تأثّرهم بما يقوم به وإفلاسهم في مواجهة المتغيّرات على مستوى تفكير أجيال كثيرة في العالم، وتعلّقهم بـ”حبال الهواء”.

ماذا لو كان ثمة أكثر من عزمي بشارة في دولنا العربية، من أصحاب العزيمة والهمم والخبرة؟

رسالة الحملة وأهدافها لا تتعلّق بعزمي بشارة فقط. هي رسالة إلى كل العرب وأي عربي: ممنوع أن تفكّر. ممنوع أن تبادر.
ممنوع أن تنتج. ممنوع أن تنجح. ممنوع أن تنشر. ممنوع أن تستخدم التكنولوجيا وأدوات العقل المتاحة. ممنوع أن تمتلك إرادة حكيمة وإدارة سليمة. ممنوع أن تعمل بجدّية ومتابعة دقيقة. ممنوع أن تعرف عدوك وتكتب عنه بواقعية وشجاعة فكرية وأدبية، وأن تستند إلى قوة المنطق والحجّة والحرية. ممنوع أن تنشئ صحفاً ومواقع إلكترونية ومراكز أبحاث ودراسات تعبّر عن ذلك كله… هذا ما فعله عزمي بشارة.
لو فكّر كل واحد منا بمضمون الرسالة الإسرائيلية وتوقف أمام ذاته وسأل: إذا كان رجل لا يملّ ولا يكلّ، لجأ، بصبرٍ وعناد وثبات وإصرار، إلى استخدام كل العناصر المتاحة فكرياً وسياسياً وثقافياً وعلمياً، وصنّفته إسرائيل عدوّاً أخطر من تركيا وإيران معاً، واتهمت قطر بدعمه، فماذا لو كان ثمة أكثر من عزمي بشارة في دولنا العربية، من أصحاب العزيمة والهمم والخبرة والمعرفة والإرادة، وسلكوا الدرب نفسه؟ ولو سخّر العرب إمكاناتهم في دعم مثل هذه المشاريع، فماذا كانت ستقول إسرائيل وتفعل؟ نحن نملك الكثير من عناصر القوة والإمكانات البشرية والفكرية والسياسية والمالية ونملك الحقّ، لكن هل الجميع يملك إرادة الاستفادة منها؟… حتى الآن، لا تفاؤل بذلك. هل يتحرّك ويبادر كثيرون بعد تجربة عزمي بشارة وموقف قطر الداعم؟

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة