أيهم السهلي
شيّعت غزة في 4 آب، 112 شهيداً من عائلتي أبو شريعة والحساينة، قُتلوا في قصف إسرائيلي على حي الصبرة جنوبي مدينة غزة، في 22 تشرين الثاني 2023، فاستشهد 308 فلسطينيين من العائلتين، بينهم 40 طفلاً و30 امرأة و7 أشخاص من ذوي الإعاقة.
يظهر مشهد التشييع الكبير في مدينة غزة حجم المأساة في القطاع، فالجثامين المُشيّعة انتُشلت من تحت الأنقاض، وهي جزء من كم كبير دفنتهم الصواريخ الإسرائيلية في بيوتهم التي دمّرتها، وسيبقون تحتها وبين ركامها إلى وقت طويل بعد، هذا فقط إن رؤف العالم بسكان قطاع غزة، وقرّر رفع البلاء عنهم.
إن غزة التي ماتت على مرّ أكثر من عامين ونصف عام، ستبقى مستعدّة لتشييع آلاف الشهداء النائمين تحت أنقاض الحرب التي خاضتها إسرائيل بلا هوادة وبلا رحمة، مع إطباق المجتمع الدولي شبه الكامل على الجريمة بحق المدنيين، وسكوت معظم دول العالم على ما يحدث. هذا المكان في العالم، سيظل شاهداً على البشرية وتاريخها، وسيظل عبئاً على القرن الحادي والعشرين وذاكرة أجياله المتعاقبة.
إن الموت الذي عشّش في ذاكرة كل غزي، سيلاحقنا جميعاً حين نحاول أن نعيش كالناس الطبيعيين، وحين نحاول أن نأكل لقمة عادية في يوم عادي، وحين نشرب كأس ماء عذب هو حق لكل إنسان في الأرض. هذا الموت وهو يلاحقنا سيدرك كم كنا ضعفاء، وكم مرة انتقلنا من قناة فضائية إلى أخرى هرباً من مشاهد ستسرّع خطانا في الهرب من ملاحقة الموت في أعين الأطفال الميتين في غزة.
غزة التي لا تتحدّث عن نفسها، ويتحدّث عنها كل أحد غيرها، تتنازعها السياسة الداخلية الفلسطينية، باسم الحكم والسلطة وتحميل المسؤولية عما آلت إليه الأمور، والخارج عبر الذين أتوا على أكفّ الخارج باسم السلام ومجلسه، بموافقة ومناورة ومنازعة الداخل الفلسطيني.
نحن لم نمت لنعرف ماذا بعد القيامة، ولم نعرف ماذا بعد الموت، لكن وبالإذن من محمود درويش، نحن في زماننا المعاصر، رأينا الموت وما بعده في غزة، ورأينا قيامة الناس المصرين على الحياة، رغم انعدام أسباب الحياة في قطاع غزة. ومثل التشييع الذي حدث، ربما سنشهد عشرات وربما مئات مثله بعد حين، بعد أن تسمح السياسة بإزالة الدمار الهائل في أنحاء القطاع، والسماح للناس بدفن شهدائهم الكثيرين جداً.
الحديث عن الموت، ليس حديثاً عن الفناء، بل حديث عن البقاء، بقاء الجسد في أرضه، قبل الحياة وبعدها، وعن الصمود واحتمالات الانتصار الكثيرة، وضمنها الانتصار العسكري، لكنه ليس كلها. فوجود الناس في أرضهم، يمارسون عليها حياتهم رغم الموت الذي يزرعه الاحتلال في كل مكان انتصار، انتصار على الهزيمة، والانكسار، واليأس، وانتصار كامل على الموت الذي لن تألفه البشر، تحديداً من يعيشون على «الأرض التي تستحق الحياة». وفلسطين كلها أرض الذين يزرعون الأرض لتنبت حرّية.
لمّا تشيّع غزة أهلها، وتُغطّى النعوش بعلم فلسطين، العلم الدالّ على الحرّية والأحرار في العالم، يرفع هذا المكان نفسه إلى مكانِ المُقدّس، ويقرّر أنه يزاول حياته، أي إن أهل غزة هذا قرارهم، وما على الفلسطينيين والأحرار في العالم إلا رفع فلسطين معهم، والانتماء إليهم وإلى كل فلسطيني صامد في أرضه، يدافع عن وجوده وعن كيانه، ويساهم إذ يفكر بأنه كالجزر في الأرض، بتلك القوة التي لا تضعف، بل تزداد حياة وانتماء إلى الاسم الرمز للحياة، فلسطين التي على العالم كله أن يخجل ويُحني رأسه كلّما سمع باسمها، لأن العالم كله مساهم في المجزرة المستمرة منذ أكثر من مئة عام، منذ وضعت أولى المستوطنات في القرن التاسع عشر، ومنذ أطلق بلفور وعده المشؤوم، ومنذ احتلت بريطانيا الأرض، ومهّدت للصهاينة لاحتلالها وإقامة دولتهم عليها، ومنذ بارك العالم هذه الدولة ورعاها وساندها، ومنذ صمت العرب والمسلمون عن المأساة التي حلّت بهم وليس بفلسطين وحدها، ومنذ أول مجزرة وقعت في النكبة أو قبلها وبعدها.
كل هذا وغيره سبب المجزرة المستمرة حتى اليوم في فلسطين، وفي غزة تحديداً، وفي الضفة كذلك، ولو فكّر مؤرّخ أن يعود إلى أسباب تشييع 112 شهيداً فلسطينياً في غزة، فعليه أن يذكر كل الأسباب السابقة، ويوثّق كل تصريح قيل في السياق في أي مكان في العالم مؤيّد أو داعم لإسرائيل، وكل دولار أو رصاصة بُذِلا من أجل مزيد من القتل والدم الفلسطيني والعربي.
* كاتب فلسطيني