سعد الله مزرعاني
منذ انهيار الاتحاد السوفياتي أطلقت واشنطن القطبية الواحدة أداة للسيطرة، بالقوة المباشرة وغير المباشرة: في كل الاتجاهات والأماكن، وبكل الوسائل: بما فيها العنف والحصار والتآمر والغزو والاحتلال والإبادة وتعطيل الشرعية الدولية والحلول مكانها!
الشرق الأوسط كان الحلقة الثانية بعد «هضم» مفاعيل انهيار الاتحاد السوفياتي ومنظومته في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى. تجسّد ذلك في مسلسل من الاعتداءات. بدأ أولها في غزو واحتلال أفغانستان والعراق. ويتواصل آخرها في إيران التي ما زالت الحرب عليها مفتوحة بعد عدوانين عسكريين في أقل من ستة أشهر: استهدفا إسقاط نظامها وإخضاعها والاستيلاء على ثرواتها.
حرب الشرق الأوسط، التي دخلت منتصف عقدها الثالث، حقّقت، لواشنطن وأداتها تل أبيب، الكثير من النجاحات: سياسياً واقتصادياً وأمنياً. استراتيجية هيمنة هجومية، مُعلنة رسمياً، جرى عبرها، تباعاً، استهداف كل القوى التي رفعت شعار التغيير وحاولت الخروج على الطوق الاستعماري في السياسة والتنمية، ولو عبر تجارب محدودة، أو متعثّرة: بالفئوية ونزعة الاستبداد والتفرّد والقمع…
بعد احتلال أفغانستان والعراق، تمّ تهديد وإخراج سوريا من لبنان الذي استهدفه، هو الآخر، عدوان إسرائيلي/ أميركي في تموز من عام 2006… ثم إلى «الربيع العربي» أواخر عام 2011. خلاصة ذلك «الربيع»: الإطاحة بالقذافي ومقتله وتفكيك ليبيا. مخاض مرحلي «إخواني» فبدائل عسكرية في مصر وتونس. احتواء المعارضة في المغرب ودفعه إلى التطبيع. التدخل العسكري السعودي في «ربيع» اليمن وتكريس الانقسام والحرب الأهلية. تحييد الجزائر واحتواؤها. تدمير متواصل للسودان بحرب أهلية طاحنة. إغراق العراق بالانقسامات الطائفية والقومية. إدارة حرب شعواء في سوريا شاركت فيها عشرات الدول وانتهت بإسقاط نظامها وفرض وضع عجيب وهجين عليها… إلى ذلك، دُفع الشعب الفلسطيني إلى اليأس عبر حرمانه من أبسط حقوقه في إقامة حتى شبه دويلة مع إسقاط قراري الأمم المتحدة: «حل الدولتين» (1947) وحق العودة 1948. إطلاق «صفقة القرن» ومعها «الاتفاقات الإبراهيمية» الترامبية. في الأثناء ظهور «داعش» و«خلافة» البغدادي، في أجزاء واسعة من سوريا والعراق، ضمن هذا الفيلم الأميركي الطويل…
عملية «طوفان الأقصى» كانت إحدى محطات كفاح الشعب الفلسطيني في مواجهة مسلسل الاغتصاب والتوسع والتصفية والتواطؤ والتطبيع. سارع قادة حلف «الناتو»، بزعامة واشنطن، إلى تبرير ودعم ردّ إسرائيلي بتحويلها إلى حرب إبادة وتدمير وتجويع وتهجير في خدمة هدف تصفية الشعب الغلسطيني وقضيته، وإقامة «إسرائيل الكبرى»، في كنف شرق أوسط أميركي استعماري «جديد».
في السياق تمّ تعطيل كل عمل عربي مشترك يتجاوز بيانات رفع العتب. الدول المطيعة صمتت وتواطأت وقمعت. بعضها لم يتردّد في الانحياز العلني للعدو كالأردن ودولة الإمارات. غابت كلياً جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ومجلس الأمن المُعَطّل بالفيتو الأميركي. تُرك الشعب الفلسطيني شبه وحيد، ولا يزال، فريسة لآلة القتل والتدمير والتجويع والإبادة الهمجية الصهيونية المدعومة، خصوصاً، من واشنطن. أُضيف كل ذلك إلى واقع مأزوم بكل المقاييس، في كل الدول العربية التي كانت قد تعرّضت للغزو من قبل واشنطن والأطلسيين وأدواتهم كـ«داعش»، و«ثورات الربع العربي»، ما جعل مجمل الوضع العربي في غاية التفكّك والوهن والعجز…
في الأثناء، كانت القوى الوطنية والعروبية (الرسمية والشعبية) في ذروة ضعفها وانكفائها.
رغم ذلك برزت قيادة الجمهورية «الإسلامية» (وبهذه الصفة) لاعباً وهدفاً في الوقت نفسه. شقّت قيادتها مساراً واضحاً وحاسماً لجهة تحديد الهدف (القضية الفلسطينية) وإعداد الوسائل والقوى. اقتصارها على جانب جزئي من التعبئة، لم يلغِ الطابع التحرري العام لتأثيرها. كذلك، هو لم يحل دون قدرتها على تحقيق إنجازات باتت، في عدة بلدان عربية، مصدر قلق لدى الدوائر الاستعمارية والصهيونية، كما لدى الأنظمة التابعة وفي مقدّمها معظم دول الخليج والدول المُطبِّعة أو المُرشّحة للتطبيع مع المشروع الصهيوني…
ليس صدفة، في امتداد ذلك، أن طهران أصبحت الطرف الأكثر استهدافاً خصوصاً بعد انخراطها المباشر وغير المباشر في إسناد المقاومة في غزة. تُرجم ذلك بالحصار والعقوبات والتآمر والحملات الإعلامية. مع احتدام الصراع وإصرارها على الحضور في قوة محورية مشاركة وداعمة، تمّ استهدافُها بحرب مباشرة أميركية/ صهيونية من أجل إسقاط نظامها وإزالة ما مثّلته من عقبة في مراحل تراجع المشاريع التحررية الكبرى التي كان يمثّلها الاتحاد السوفياتي و«منظمة عدم الانحياز» وحركات التحرير في المستعمرات السابقة والأحزاب وأحزاب اليسار الجذري في البلدان الغربية…
صمود إيران يشكّل الحلقة الأكثر معاندة نظراً إلى قدرة سلطاتها على تجنيد ومراكمة عوامل الصمود والقوة، المعنوية والمادية، في الحقول كافة. لو سقطت إيران لاستتبّ الأمر للمحور الاستعماري الصهيوني لحقبات مديدة ولسنوات ستكون عِجافاً دون شك.
أجدّد هنا ما تناولته في مقالي، قبل أسبوعين، بأن المنطقة تمر، راهناً، بأصعب وأسوأ مراحل معاناة شعوبها: احتلال، استباحة، تهديدات تستهدف كل مقوّمات وحدتها وسيادتها وثرواتها واستقرارها وحرية شعوبها… العدو شرس وعنصري ومتوحّش وجشع وطامع ومأزوم (بتراجع قدرته على المنافسة والاحتكار والسيطرة والنهب)… ذلك يملي، دون تأخير، إطلاق أوسع عملية استنهاض ومقاومة بأبعاد قومية ووحدوية تحررية شاملة.
شعارات الوحدة والحرية والعدالة والاشتراكية هي الأجدر بأن تُستحضر اليوم على خلفية مراجعة جادّة ومسؤولة وعميقة للتجارب والأخطاء السابقة، ثم عبر اشتقاق وبلورة مشاريع وطنية وقومية ووحدوية تحررية تشكّل الأدوات التي لا غنى عنها، من أجل الدفاع عن المنطقة وشعوبها وثرواتها ومكانها تحت الشمس: في وجه برابرة العصر وقتلة الأطفال والحياة والحضارة والإنسانية جميعاً!
* كاتب وسياسي لبناني