آخر الأخبار

القضاء والقدر

9111fd44-5b13-495b-bcb6-3ce4d23f9482

سعد الله مزرعاني

طبعاً، لا يجري الحديث عن المعادلة الإيمانية المعروفة. القضاء والقدر، هنا، أمران مختلفان. الأول هو أداة تحقيق ما أمكن من الإنصاف والعدالة. هو يصبح مرجعية، وقيمة حضارية، وعنوان تقدّم، بمقدار ما يتصف القائمون بأموره بالمعرفة والنزاهة والاستقلالية. أمّا القدر المعني هنا، فهو تلك النتيجة نفسها التي تفضي إليها الأمور في الظروف المشابهة، فتصبح تقليداً مُسلّماً به أياً كانت النتائج!

يتعرض القضاء الدولي اليوم، بالمفهوم الذي تطور إليه كإنجاز نسبي انبثق عن توازنات ومصالح في مراحل تاريخية محددة، إلى اهتزاز شبه كامل. يتجسد ذلك في السياسات التي تتجاوز بشكل ممنهج المؤسسات والقوانين الدولية والدولية الإنسانية على نطاق مقلق وخطير، وتعاقب قضاتها إذا تجرّأوا وطبّقوا قوانينها. حرب الإبادة في غزة نموذج هو الأبرز ربما في أي مقارنة في حقل القتل والتدمير والتهجير والتجويع والقمع الموجَّه ضد جماعة بعينها. يزيد في خطورة هذا الأمر أن هذه العملية الإجرامية قد حظيت بتبرير، ودعم، وحماية كاملة ومثابرة من دولة هي الأفعل والأعظم في التاريخ. تلك الدولة ما لبثت أن تعاونت مع تل أبيب في العدوان العسكري الكبير والمتواصل على دولة كبيرة ومستقلة هي الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

يُذكر، في هذا الصدد، أن واشنطن كانت سبّاقة في هذا الحقل. لن نذهب بعيداً: منذ أكثر من عقدين من الزمن غزت واشنطن، بذرائع مفبركة ودون موافقة دولية، دولتين مستقلتين، هما أفغانستان والعراق. لا يفوتنا أن نذكر بأن هذا النموذج (غزو دول واحتلالها) هو أسلوب متكرر مراراً في ممارسات الإدارات الأميركية. شجّع ذلك دولاً أخرى على تبنيه كأداة لفض النزاعات. ينتسب إلى هذا الأسلوب الهجوم الروسي على أوكرانيا. لكننا هنا، أيضاً، سنجد أصابع واشنطن حاضرة بقوة: تشجّع وتحرّض كييف على استفزاز روسيا لاستدراجها إلى صراع، يستنزف، لمصلحة واشنطن، طاقاتها ومواردها وعافيتها جميعاً!

تزامن كل ذلك مع تصاعد وتفاقم أزمة الرأسمالية الإمبريالية الأميركية. دفعت إدارة ترامب استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أطلقها بوش الأب والابن و»المحافظون الجدد»، من مبدأ «وضع قوة واشنطن المتفوقة في خدمة اقتصادها»، إلى اعتماد «شريعة الغاب» قاعدة حاكمة في علاقات واشنطن الدولية. استناداً إلى ذلك، طالب ترامب بضم كندا وغرينلاند. أعلن وصاية حصرية على كل أميركا اللاتينية. قرّر أخيراً اعتبار مضيق هرمز أرضاً أميركية… وهو يتصرف، كل لحظة، بوصفه رئيس كل العالم.

شكّل الشرق الأوسط، منذ أوائل القرن الحالي، الحقل الأساسي لاختبار معادلة «شريعة الغاب» الأميركية. المشروع الصهيوني هو المتفاعل والمستفيد الأكبر. النتائج، رغم ما حملته من أهوال ومآسٍ للشعب الفلسطيني واللبناني والإيراني، لم تكن من النوع الاعتيادي. الوحشية الصهيونية المدعومة من واشنطن وأتباعها ومجمل الغرب الاستعماري، من جهة، وصمود وتضحيات وبطولات المقاومة الفلسطينية واللبنانية والإيرانية، من جهة ثانية، أحدثت تحوّلاً نوعياً في المفاهيم والمعادلات خصوصاً على المستوى الشعبي، لغير مصلحة واشنطن وتل أبيب خصوصاً. شمل ذلك واشنطن ومعظم العواصم الغربية بشكلٍ خاص.

غالباً ما شكّل لبنان، ويشكّل، ساحة ملتهبة من ساحات الصراع في المنطقة. هو يكابد الآن أزمات وتهديدات مضاعفة. الأسباب متعددة. أولها وحشية العدوان الصهيوني، حيث يمارس الجيش الإسرائيلي حرب إبادة وتهجير وتدمير وفق نموذج غزة، كما يتباهى قادته. السبب الثاني، التدخل الأميركي السافر والمتخطّي لكل الحدود: شريكاً و»وسيطاً» ووصياً في الوقت نفسه! السبب الثالث، هو رهان فريق السلطة الحالية على واشنطن لاستعادة السيادة والأرض اللبنانية المحتلة. يقع هذا الرهان كتسديد لفواتير وصول السلطة إلى الحكم بدعم من واشنطن وأتباعها.

يتصل بذلك أيضاً سعي هذا الفريق لإحداث تبدّل جذري في التوازنات اللبنانية… ولو كلّف ذلك المجازفة بالمصير الوطني عموماً. إلى ذلك فالنظام السياسي اللبناني نظام تابع سياسياً واقتصادياً. تستأثر بموارد الدولة ومواقع النفوذ فيه منظومة تحاصص ونهب دون حساب أو عقاب. تعرّض الشعب اللبناني لعملية سرقة وقحة استهدفت 95% من اللبنانيين على الأقل.

قام النظام اللبناني على «العرف» لا على نصوص الدستور والقوانين. كلمة الإصلاح مرفوضة دون هوادة في قاموس الحكام لحساب صرف النفوذ والتوريث والزبائنية والرشوة. يقول نائب رئيس مجلس النواب السابق المحامي إيلي الفرزلي في حديث إعلامي جديد: «لم تُنفّذ بنود الدستور يوماً في لبنان». أخيراً ارتفع صوت نائب رئيس المجلس الحالي الياس أبو صعب: «منع وزير الدفاع من مخاطبة المجلس النيابي في مناقشة قانون العفو مخالفة دستورية جسيمة».

أمّا المخالف، فرئيس الوزراء اللبناني الحالي، القاضي ورئيس «محكمة العدل الدولية» التي تُعتبر الهيئة الأعلى في منظومة مؤسسات الأمم المتحدة ذات الصلة. بالمقاييس «اللبنانية» السائدة ما فعله الرئيس نواف سلام أمر «طبيعي». الطبع يغلب التطبُّع. عاد «نواف بيك» إلى ربعه مصداقاً لعبارة الرئيس نبيه بري: «اللي بينزل عالسوق ببيع وبيشتري». اكتفى القاضي الرئيس بالمادة 64 وأسقط كلياً المادة 67 التي نصّها: «للوزراء، أن يحضروا إلى المجلس إن شاؤوا وأن يُسمعوا عندما يطلبون الكلام ولهم أن يستعينوا بمن يشاؤون من عمال إدارتهم»!

الوعود في نظر الساسة اللبنانيين هي «ضحك عالدقون». قصة قانون العفو ومنع الوزير منسّى من الكلام، ليست، رغم خطورتها، أقل ضرراً من إدارة المفاوضات بدون قرار يُتّخذ أولاً وأصولاً في مجلس الوزراء. تفرّد رئيس الجمهورية مخالفة ضخمة في الشكل وفي المضمون: الرئيس ينفّذ قرار مجلس الوزراء. التفاوض مع جهة لا يعترف بها لبنان يستدعي أيضاً اتخاذ موقف بالموافقة أو الرفض في المجلس النيابي.

رغم ضخامة الانتهاكات السابقة وغياب المحاسبة واستشراء النهب والمحاصصة، لم تُرتكب في السابق مخالفة وطنية ودستورية بهذا الحجم إلا عام 1983. وهي مخالفة ضمن نهج يهدّد ليس السيادة والأرض والوحدة الوطنية فحسب، بل يهدّد وجود لبنان جميعاً. الخلاص لن يكون سهلاً. المقاومة الشاملة هي الحل: بها يُسلّح القضاء و»يستجيب القدر». إنه عصر ترامب والمقاومة فعلاً!
* كاتب وسياسي لبناني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة