آخر الأخبار

الانتخابات الفلسطينية: مخرج من الأزمة أم إعادة تدوير لها؟

الانتخابات الفلسطينية: الدوافع والسياقات ودلالات التوقيت

عشتار حيفاوي

تعاني الساحة الفلسطينية اليوم من انحسار واضح في الحالة السياسية. فقد شهد العقدان الماضيان تفكيكاً ممنهجاً لكل إطار كان يوماً يحدد الأفق السياسي الفلسطيني، ودخلت القضية الفلسطينية مرحلة ضبابية مُعقّدة. فبعد سبعة عقود من الصراع، ورغم زيادة الوعي والاهتمام العالمي بالقضية وعودتها إلى دائرة الضوء، فإن هذا الاهتمام يُترجم في المحافل الدولية كأزمة إنسانية واقتصادية أكثر منه كقضية تحرر وطني.

ويتجلى ذلك في قطاع غزة، الذي يعاني من حرب مفتوحة اضطرت «حماس» فيها إلى قبول صفقة «سيئة» بكل المعايير، دون أن يتغير الوضع الجوهري للحصار أو الإبادة المستمرة. وفي الضفة الغربية، يتسارع التوسع الاستيطاني، بينما تعاني السلطة الفلسطينية من أزمة شرعية ومالية خانقة وتستمر المؤشرات في الانهيار، سواء في غزة التي تعتمد على المساعدات، أو في الضفة التي تعتمد على الإيرادات المحتجزة والمساعدات الدولية المشروطة.

عربياً، تراجعت القضية الفلسطينية في سلّم الأولويات لصالح التحوّلات الداخلية، وملفات التطبيع، والتنافس الإقليمي. ويعاني الحلفاء الباقون من ظروف خانقة، مع تصاعد الضغوط الدولية على قوى المقاومة.
في هذا السياق، يُطرح سؤال الانتخابات الفلسطينية والنقاشات الفصائلية حول تشكيل تكتلات وطنية. لكنّ السؤال الأعمق هو: هل هذه التحركات قادرة على معالجة الأزمة الجذرية، أم أنها مجرد إدارة للانهيار، في غياب مشروع وطني جامع وبديل استراتيجي واضح؟

كثيراً ما يُطرح اتفاق أوسلو كـخطيئة فلسطينية، رغم أنه جاء نتيجة لنحو خمسين سنة من تجاهل المجتمع الدولي للقضية الفلسطينية وعدم تقديمه أي مخرج سياسي للشعب الفلسطيني. ففي غياب أي بدائل سياسية، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتحول النظام العالمي إلى القطب الواحد، ونفي منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، وتبعات الغزو العراقي للكويت، بدا أنه لم يكن أمام الفلسطينيين خيار عملي آخر. فكان قرار الدخول في التسوية، رغم قصورها، في نظر القيادة، مخرجاً من أزمة كان من الممكن أن تنهي القضية من أساسها، ومدخلاً إلى دولة مستقبلية. لكنّ الطرف الآخر لم يلتزم به يوماً، واستمر في الاستيطان، ووسّع السيطرة على الأرض والمياه والحدود، وأعاد تعريف أوسلو كأداة لإدارة الاحتلال، لا كطريق لإنهائه.

اليوم، ورغم تخلي الكيان الصهيوني عن جوهر أوسلو، يواجه الفلسطينيون إشكالية التمسك به وببنيته المؤسسية، في ظل غياب أي بديل عملي. ففضّ أوسلو يعني انهيار السلطة الفلسطينية، وعودة الضفة والقطاع إلى احتلال كامل، وفقدان الاعتراف الدولي. وهذا ما يجعل كلا الخيارين، الاستمرار في أوسلو أو العودة إلى ما قبله، صعبين وثقيلين. لكن عدم الحسم بينهما هو ما يُبقي الحالة الفلسطينية في حالة جمود وصراع مستداميْن.

الشعار المُعلن لطرح الانتخابات في هذا التوقيت هو الدافع الوطني: إنهاء الانقسام وتوحيد الضفة وغزة. لكنّ هناك دافعاً اقتصادياً، يتمثل في حاجة السلطة إلى فتح باب المساعدات الدولية المشروطة بالانتخابات، وضغطاً سياسياً من الغرب ورغبة في إفراز قيادة فلسطينية جديدة تدير غزة بعد الحرب وتقدّم تنازلات في ملف التطبيع.
فهل تخدم الانتخابات القضية الفلسطينية، أم أنها تخضع لأجندات خارجية؟ وهل تشارك القوى خارج السلطة أم تقاطع؟ وإن شاركت، فبأي شروط وبرنامج؟ هل المشاركة شرعنة للمسار القائم أم منصة لإعادة تعريف المشروع؟ وهل المقاطعة تهميش أم حفاظ على الموقف المبدئي؟ لا إجابات سهلة، لكنّ الأسئلة تفرض نفسها.

تُطرح اليوم فكرة تشكيل تكتل وطني يضم التيار الإصلاحي في حركة «فتح»، مع حركة «حماس» والفصائل الإسلامية وقوى اليسار؛ لكن عدم وضوح البرنامج السياسي والآليات التنفيذية يجعل هذا التكتل أقرب إلى مناورة سياسية وتحالف ظرفي ضد تيار الرئيس محمود عباس، منه إلى مشروع وطني جامع. كذلك فإن طرح اسم محمد دحلان كمرشح محتمل يثير تساؤلاً حول الطريق الذي سيتخذه ومدى اختلافه عن طريق السلطة الحالية. فالواقع أن الخلاف بين دحلان والرئيس عباس لم يكن أبداً خلافاً جذرياً حول مسار القضية الفلسطينية، بل خلافاً على موقع السلطة وأدواتها. فدحلان هو ابن المؤسسة الأمنية والنهج القائم على التنسيق مع الاحتلال والتبعية الاقتصادية. كما أن ارتباطه الوثيق بالإمارات يؤكد أن مساره، في حال وصوله إلى سدّة الحكم، لن يكون بعيداً عن مسار التطبيع الإماراتي ضمن اتفاقيات السلام الإبراهيمية التي تهدف في جوهرها إلى تصفية القضية الفلسطينية من خلال حلول اقتصادية في المنطقة.

أمّا خلاف باقي الأعضاء في التكتل المطروح مع السلطة فهو خلاف مع مسار أوسلو ككل، ومع النموذج القائم على سلطة تعمل كوكيل للاحتلال بدلاً من مقاومته. وبالتالي فإن المجيء بتحالف وطني يشمل التيار الإصلاحي يحمل في طياته تناقضات سرعان ما ستنفجر.
إن الانتخابات والمشاركة فيها وكيفية إدارتها ليست غاية في حدّ ذاتها، بل وسيلة قد تشكّل خطوة باتجاه إصلاح السلطة الفلسطينية، بما يعيد بوصلتها تجاه مصالح الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة.

وهذا يتطلب رؤية وطنية جامعة، تتجاوز المزايدات والمناورات، إلى مشروع سياسي واضح يعيد تعريف العلاقة مع الاحتلال ومع العالم، ويضع مصالح الشعب فوق كل اعتبار.
وهنا تبرز ضرورة إعادة هيكلة منظمة التحرير إلى جانب السلطة، في ظل التداخل الوظيفي بينهما، ولا سيما أنهما تداران من خلال حركة «فتح» بصفتها الفصيل الأكبر في المنظمة، ما يجعل التمايز بينهما شكلياً لا جوهرياً.

إعادة الهيكلة المطلوبة تحتاج إلى عدة قواعد، أهمها إعادة بناء منظمة التحرير كإطار وطني جامع لكل الفصائل، بعيداً عن هيمنة فصيل واحد، وإعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال على أساس القانون الدولي وليس على أساس اتفاق أوسلو، ومن ثم تحرير الاقتصاد الفلسطيني من التبعية الإسرائيلية من خلال بناء اقتصاد مقاوم قائم على الاكتفاء الذاتي والتحالفات الإقليمية البديلة. ولتحقيق كل ذلك لا بدّ من بناء استراتيجية وطنية موحدة تجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية والقانونية، مع إبقاء خيار المقاومة المسلحة كخيار استراتيجي مفتوح.

الخيارات الفلسطينية اليوم محدودة وصعبة، لكن عدم الاختيار هو أسوؤها. فالبقاء المُزمن في انتظار نتائج انتخابات إسرائيلية أو أميركية، أو المراهنة على تغيير قيادة السلطة دون تغيير مسارها، كلها أوهام لن تغيّر الواقع، بل ستزيد من حالة الضياع. فالمخرج يبدأ بمواجهة الحقيقة: القضية الفلسطينية في مرحلة انحسار، وعاجزة عن قطف ثمار التأييد العالمي المتزايد، والحل يكمن في الوحدة وإعادة تعريف المشروع الوطني. وأي انتخابات، أو تكتل، أو تغيير في القيادة، يجب أن يكون مقدّمة لإعادة هيكلة النظام السياسي الفلسطيني بكامله، وليس مجرد تغيير في الوجوه.
صناعة مشروع تحرري جديد هي السبيل الوحيد للخروج من المأزق الذي وصلنا إليه، وتجاوز حالة الجمود التي تخدم الاحتلال، وتبقي القضية في دائرة الإدارة لا الحل.

* كاتبة فلسطينية

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة