محمد مصطفى شاهين
لم يعد الجدل حول تشكيل المجلس الوطني الفلسطيني ترفًا سياسيًا ولا سجالًا فصائليًا يمكن احتواؤه ببيان هنا أو تصريح هناك، لأن المسألة في جوهرها تتصل بالسؤال الأكثر حساسية في النظام السياسي الفلسطيني: من أين تستمد المؤسسة الوطنية شرعيتها؟ ومن يمنحها التفويض لكي تتحدث باسم شعب موزع بين وطن محتل وشتات واسع؟
فالانتقال من الشرعية التوافقية إلى الشرعية الانتخابية يفترض أن يكون انتقالًا منطقيًا في مسار إعادة بناء النظام السياسي، لا التفافًا على الإرادة الشعبية تحت عناوين إجرائية. ولذلك، فإن ما أثارته حركة حماس بشأن آليات اختيار ممثلي الجالية الفلسطينية في الكويت، ينبغي أن يُقرأ بوصفه جزءًا من نقاش دستوري وسياسي أوسع حول فلسفة التمثيل الوطني، وليس مجرد اعتراض على نتيجة انتخابية بعينها.
فالمشكلة ليست في أسماء الفائزين، وإنما في القاعدة التي أنتجت الفائزين، وفي مدى انطباق معيار الإرادة الشعبية عليها.
الانتخاب لا يبدأ عند الصندوق
والفارق بين الانتخاب والتعيين لا تحدده الصناديق وحدها، وإنما تحدده البيئة القانونية والسياسية التي تسبق الصندوق. فإذا كان الناخب يختار هيئة محددة مسبقًا، وإذا كانت الهيئة الانتخابية نفسها لا تعكس قاعدة شعبية واسعة، وإذا ظلت معايير تشكيلها بعيدة عن الرقابة والوضوح، فإننا نكون أمام صورة انتخابية لا تكتمل فيها بالضرورة فلسفة الانتخاب.
وهنا تكمن أهمية تجربة الكويت باعتبارها حالة تستحق التدقيق، لا باعتبارها ذريعة للتجاذب. فالمجلس الوطني ليس برلمانًا عاديًا يمثل دائرة جغرافية محددة، وإنما هو الإطار الوطني الأوسع الذي يفترض أن يجسد وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج.
ولذلك فإن أي خلل في آلية التمثيل يمكن أن يتحول من خلل إجرائي إلى أزمة في أصل الشرعية السياسية للمجلس ومؤسساته المنبثقة عنه.
الشرعية أبعد من السند القانوني
ومن منظور دستوري، فإن الشرعية لا تقتصر على وجود سند قانوني للعملية، وإنما تشمل سلامة الوسيلة التي أنتجت التمثيل، ومدى توافقها مع مبادئ المشاركة والتعددية وتكافؤ الفرص.
فالقاعدة الذهبية في الأنظمة السياسية الحديثة أن المؤسسة تكتسب قوتها من قدرتها على تحويل الإرادة الشعبية إلى تفويض سياسي واضح. وكلما اتسعت الفجوة بين المواطن وممثله، اتسعت معها مساحة الشك في المؤسسة.
ولذلك، فإن الحديث عن مجلس وطني منتخب ينبغي ألا يتحول إلى مجرد توصيف شكلي، بل يجب أن يعني أن الفلسطيني في الضفة وغزة والقدس والمخيمات والشتات يشعر أن له حقًا فعليًا في اختيار من يمثله.
كما أن الآليات الاستثنائية التي قد تفرضها ظروف بعض التجمعات، لا ينبغي أن تتحول إلى قاعدة دائمة تبرر الاستعاضة عن الانتخاب بالتعيين أو التوافقات المغلقة.
فالتوافق الوطني الحقيقي هو توافق على قواعد التمثيل، وليس توافقًا على مصادرة التمثيل.
أزمة الثقة وضرورة تجديد الشرعية
وهنا تبرز المسؤولية التاريخية للقوى السياسية الفلسطينية كافة، لأن أزمة النظام السياسي لم تكن في يوم من الأيام أزمة نصوص فقط، وإنما أزمة ثقة وأزمة احتكار وأزمة غياب آليات ديمقراطية قادرة على تجديد الشرعية.
ولذلك، فإن إعادة بناء المجلس الوطني يجب أن تكون فرصة للخروج من منطق الشرعية المستدامة بالاعتياد إلى شرعية قابلة للتجديد والمساءلة.
فليس المطلوب أن تنتصر حماس على فتح، ولا أن تنتصر فتح على حماس، وإنما المطلوب أن ينتصر مبدأ الشراكة على الإقصاء، وأن ينتصر صندوق الاقتراع على الغرف المغلقة، وأن يصبح الاختلاف السياسي وسيلة لإثراء المؤسسة لا سببًا لاستبعاد طرف منها.
وفي هذا السياق، يصبح صوت المستقلين والأكاديميين والشخصيات الوطنية والاجتماعية والوجهاء والفعاليات الشعبية ضروريًا، لأن المجلس الذي لا يسمع إلا أصوات التنظيمات سيظل ناقصًا عن تمثيل مجتمع فلسطيني أكثر اتساعًا وتنوعًا من خرائط الفصائل.
الانتخابات حق عام لا ملك للفصائل
وفي المقابل، فإن الموضوعية السياسية تقتضي عدم التعامل مع العملية الانتخابية بمنطق الرفض الشامل. فهناك أهمية كبيرة لكل خطوة عملية تفتح الطريق أمام الانتخابات، وتوفر للجنة الانتخابات المركزية البيئة اللازمة للعمل، خصوصًا في قطاع غزة، حيث تمثل التسهيلات الإدارية واللوجستية، وتمكين اللجنة من الوصول إلى المواطنين، وتحديث البيانات، وإنجاز الإجراءات الانتخابية، عناصر أساسية في نجاح الاستحقاق.
فالانتخابات ليست ملكًا للسلطة ولا لحماس ولا لفتح، وإنما هي حق عام للشعب الفلسطيني.
ولذلك، فإن أي تعاون مؤسسي معها ينبغي أن يقدم باعتباره سلوكًا وطنيًا مسؤولًا، وليس تنازلًا سياسيًا. وأي تسهيل لعمل اللجنة يجب أن يتحول إلى قاعدة سياسية مستقرة، عنوانها أن المؤسسات التنفيذية لا تدير الانتخابات، وإنما توفر شروط إجرائها، وأن الجهة الانتخابية المختصة هي التي تتولى العملية وفقًا للقانون والمعايير المعتمدة.
دور الإعلام في حماية الشرعية
ومن هنا، فإن الخطاب الإعلامي المطلوب يجب أن يكون أكثر ذكاءً من مجرد إعادة إنتاج بيانات الفصائل.
فالصحافة الوطنية لا ينبغي أن تكون محكمة تصدر الأحكام قبل اكتمال الوقائع، ولا غرفة عمليات حزبية تعيد توزيع المواقف، وإنما عليها أن تضع الجمهور أمام الوقائع والأسئلة والمعايير.
فبدلًا من تضخيم العقبات الإجرائية، ينبغي متابعة كيفية تجاوزها، وبدلًا من تحويل كل اختلاف إلى أزمة وطنية، ينبغي البحث عن مساحات الاتفاق.
وبدلًا من الاكتفاء بتغطية تصريحات القيادات، يجب منح مساحة للناخب والمستقل والأكاديمي والمجتمع المحلي، لأن الشرعية الديمقراطية لا تقاس فقط بما تقوله النخب السياسية، وإنما بما إذا كان المواطن يرى نفسه شريكًا حقيقيًا في إنتاج المؤسسة التي ستتحدث باسمه.
كما أن الوقفات والبيانات والفعاليات الشعبية المرتبطة بالمجلس الوطني ليست هامشًا إعلاميًا، بل مؤشر على حيوية المجال العام وقدرته على ممارسة الرقابة السياسية والمجتمعية.
الشراكة ليست تقاسمًا للمقاعد
أما جوهر القضية فيبقى في التمييز بين الشراكة والتقاسم.
فالشراكة تعني أن تتساوى القوى والمكونات أمام قواعد سياسية وقانونية معلنة، وأن يكون الفيصل في التمثيل هو الإرادة الشعبية حيثما أمكن.
أما التقاسم، فيعني أن يجري توزيع المواقع قبل أن يصل المواطن إلى صندوق الاقتراع.
ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تستخدم لغة التوافق الوطني لإعادة إنتاج منطق المحاصصة السياسية.
فالتوافق مطلوب عندما يتعلق الأمر بوحدة الموقف الوطني وبالقواعد التي تحمي المشاركة، لكنه يصبح نقيضًا للديمقراطية عندما يتحول إلى بديل عن الانتخاب.
فالمجلس الوطني القوي ليس المجلس الذي ترضى عنه القيادات فقط، وإنما المجلس الذي يشعر الفلسطيني العادي أن صوته كان له أثر في تشكيله، وأن ممثله يحمل تفويضًا حقيقيًا يمكن مساءلته وتجديده وسحبه.
المعركة على مفهوم الشرعية
وفي النهاية، فإن معركة المجلس الوطني ليست معركة على المقاعد بقدر ما هي معركة على مفهوم الشرعية الفلسطينية نفسه.
فإما أن تكون الانتخابات مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة التمثيل والمساءلة والتعددية، وإما أن تصبح غطاءً لإعادة تدوير البنية القديمة بأدوات جديدة.
وإذا كانت اللحظة الفلسطينية الراهنة قد فرضت تحديات استثنائية على الجميع، فإنها في الوقت ذاته تمنح الجميع فرصة تاريخية لإعادة تأسيس العلاقة بين الشعب ومؤسساته على قاعدة أكثر صلابة.
إن المجلس الوطني الذي يولد من إرادة الفلسطينيين سيكون أقدر على استعادة مكانة منظمة التحرير وتجديد شرعيتها وتعزيز قدرتها على مواجهة الاحتلال والمجتمع الدولي.
أما المجلس الذي يولد من ترتيبات فوقية، فسوف تظل شرعيته موضع سؤال مهما بلغت قوة البيانات التي تدافع عنه.
ولذلك، فإن الطريق إلى مجلس وطني جامع لا يمر عبر إقصاء أي مكون، ولا عبر منح أحد حق الوصاية على التمثيل، وإنما عبر قاعدة بسيطة وعميقة في آن واحد:
الشعب يختار، ومؤسساته تمثل، والجميع يحتكم إلى القانون.
وهذه هي النقطة التي ينبغي أن تبدأ منها عملية استعادة النظام السياسي الفلسطيني لعافيته، قبل أن تبدأ عملية إعادة توزيع سلطاته ومقاعده.