آخر الأخبار

«حياة الفلسطينيين مهمّة»

b34fa304-6d95-4b4c-b05d-fc28a74e9040

أيهم السهلي

على كثرة الأزمات التي يعيشها الفلسطينيون في أماكن وجودهم المختلفة، منها دول الشتات، وفي ظل غياب مرجعية فلسطينية واضحة المعالم، قائمة بدورها الكامل من دون نقص، ومن دون حسابات حزبية ضيقة وسخيفة أحياناً، بات الفلسطيني في بعض دول الشتات مُستضعفاً من قبل الدول المُضيفة، ومن قبل العنصريين، ومن قبل المزاودين على الفلسطينيين في فلسطينيتهم، وهم كثر.
المزاودون مشكلة أكبر من مشكلة الدول وقوانينها، ومن مشكلة العنصريين أنفسهم، لأن التعامل معهم ممكن، ومعالجة مسألة القوانين والحقوق يجري العمل عليها عبر وسائل سلمية وقانونية، وعبر أوراق بحثية وغيرها من هذه الأساليب التي لم تأتِ بنتيجة بعد في لبنان، مثلاً، لكن ليست هناك وسائل أخرى، فالحوار مع الدولة اللبنانية هو الإمكانية المُتاحة، في ظل امتناع الأحزاب اللبنانية المناصرة للفلسطينيين عن فعل شيء، عدا الوقوف إلى جانب الفلسطينيين لفظياً في ما يتعلق بمسألة الحقوق المدنية الطبيعية لأي إنسان في العالم.

والعنصريون، الحل معهم أبسط، وهو بإهمالهم، أو اعتبارهم غير موجودين، فكلامهم وأفعالهم لا تغيّر من حركة التاريخ أي شيء، ولن تنفع الفلسطينيين، وإن ضرّتهم، فضررها بات معتاداً يحرّك الأجواء قليلاً ويستدعي أحياناً ردوداً فلسطينية مُضحِكة، كتذكير العنصريين بأن الفلسطينيين أقوياء وما إلى ذلك، مع تناسي الفلسطينيين واقع قضيتهم الحالي، وواقع مخيماتهم الكارثي بكل ما للكلمة من معنى. والأهم نسيانهم أن الفلسطينيين في الشتات لم تعد لديهم قوة، ولم يعد لديهم سوى «المشي جوار الحائط وطلب السترة» لأن لا أحد لهم، من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير إلى حركة فتح وحركة حماس وباقي القوى الفلسطينية، فقدوا جميعاً القدرة على خدمة الناس، وحتى على تمثيلهم.

تدّعي الجهات الفلسطينية الأربع أعلاه عكس ذلك، لكن الواقع أكثر مرارة من الادعاءات. وحتى وإن ادّعت كل جهة فلسطينية أنها تمثّل مناصريها فلا يعني ذلك أنها تمثّل البقية، والحديث هنا ليس عن ديمقراطية شعبية، بل عن عدم قدرة هذه القوى مجتمعة على حل مشكلة حفر بئر ماء في مخيم مار الياس تساعد أهل المخيم في كثير من الأمور، كشرب الماء، وغسل الأواني، وفي هذا المخيم أيضاً، لم تتمكن هذه القوى مجتمعة أن تؤثّر في الدولة اللبنانية لإعادة تأهيل طريق المدخلين الشرقي والغربي للمخيم بعد أن بدأت «الأونروا» بترميمه، فلم تتمكن من إكماله بعد أن منعتها الدولة اللبنانية. وكذلك لم تتمكن هذه القوى مجتمعة من إنهاء ملف المخدّرات ومعاقل تجارها في مخيمي شاتيلا وبرج البراجنة. أمّا سوريا، فهذه القوى، مجتمعة ومتفرقة، غير قادرة اليوم أن تجيب أي فلسطيني عن مخاوفه من المستقبل، كأن يستعيد حق التملك في سوريا.

القوى الفلسطينية غير قادرة على شيء، وقدرتها المحدودة على المُناحرة في ما بينها، ليست سوى محاولة لتثبت أنها لا تزال موجودة، ولم تزل لديها بعض الحيوية السياسية. لذلك حين يشعر الفلسطيني في الشتات أنه وحده، فإنه يشعر بواقعه وبواقع قضيته الكبرى، القضية الفلسطينية، فالحكومات العربية المتعاقبة تتعامل مع ملف اللاجئين الفلسطينيين كورقة سياسية تستخدمها حيناً، وتستخدم ضدها حيناً آخر.

وعليه، المزاودون، يحبون فلسطين ومقاومتها أو يحبون فلسطين من دون مقاومتها، والطرفان لا يحبّان الفلسطينيين. هؤلاء يعرفون كل ما سبق، أو أجزاء منه، لكنهم يستقوون على الفلسطينيين ويستعجلون بإصدار أحكام سلبية مطلقة على المخيمات كلها، أو على الفلسطينيين اللاجئين كلهم، من دون النظر إلى حال هذه المخيمات، فإذا خرج نفر من الناس في أحد المخيمات للترحيب بـ«مسؤول» ما، تصبح المخيمات كلها تغيّرت. هؤلاء لديهم مواقفهم النقدية، سواء من «فتح» أو «حماس» أو «قوى اليسار»، أو السلطة الفلسطينية، لكن ترجمة هذه المواقف تذهب إلى التعميم على الفلسطينيين جميعهم، وكأنهم بالتعميم والإطلاق يحاكون المقولة السائدة حتى اليوم لدى كل من يريد النيل من الشعب الفلسطيني: «انتو بعتو أرضكم»، أي تخوين شعب بأكمله، بناءً على جهل مستمر بفلسطين وحكايتها، وفي الحقيقة جهل وتجهيل متعمّدان بتاريخ المنطقة وحكايتها.

واقع الفلسطينيين في البلاد العربية ليس سهلاً، ولا بسيطاً، ولن يكون مستقراً، وهذا الأهم، فهم يخضعون لمصالح السلطات الحاكمة في الدول العربية، وتغيّر المصالح والتحالفات والمواقف من القوى الفلسطينية وسلوكها.
حياة الفلسطينيين بائسة، هذا هو الواقع، لكن يجب أن تكون «حياة الفلسطينيين مهمّة» هي الطريق.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة