أبو الشريف رباح
أبدأ بتوجيه التقدير والاحترام إلى جميع الوفود التي قاطعت خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي المجرم بنيامين نتنياهو في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، كما نثمّن مواقف الدول الأعضاء التي طالبت بمنح الرئيس الفلسطيني محمود عباس والوفد المرافق له تأشيرات الدخول إلى الولايات المتحدة، لتمكينهم من المشاركة في أعمال الجمعية العامة.
إن حرمان القيادة الفلسطينية من المشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة يمثل موقفاً يستحق التوقف عنده خصوصاً أن فلسطين عضو مراقب في المنظمة الدولية، والقضية الفلسطينية حاضرة في صلب أعمال الأمم المتحدة منذ عقود.
لكن في المقابل فإن مقاطعة خطاب نتنياهو رغم أهميتها السياسية والرمزية تبقى خطوة احتجاجية لا تكفي وحدها أمام ما يجري على الأرض، فالحكومة الإسرائيلية الحالية التي تضم قوى وأحزاباً من اليمين المتطرف تواصل سياسات الحرب والتدمير والتهجير والاستيطان في ظل استمرار العمليات العسكرية والاعتداءات التي تطال الفلسطينيين إلى جانب التوترات والاعتداءات التي شهدتها دول أخرى في المنطقة.
لقد أصبحت المسافة كبيرة بين بيانات الإدانة وما يحتاجه الواقع من إجراءات عملية، فمغادرة القاعة أثناء خطاب نتنياهو مشهد سياسي مهم، لكنها لا توقف حرباً ولا تعيد إعمار ما دمرته العدوان، ولا تعيد النازحين إلى بيوتهم، ولا تشبع الجائعين، ولا تعالج الجرحى، ولا تطلق سراح الأسرى، ولا تضع حداً للاستيطان ومصادرة الأراضي.
نحن نقدر كل موقف سياسي ودبلوماسي يعبّر عن التضامن مع الشعب الفلسطيني لكن التجارب أثبتت أن الحروب لا تتوقف بالاستنكار، وأن العدوان لا يتراجع بالتنديد، وأن السلام لا يتحقق بمجرد إصدار البيانات أو التعبير عن القلق، المطلوب اليوم هو الانتقال من المواقف الرمزية إلى خطوات سياسية وقانونية واقتصادية أكثر فاعلية من خلال ممارسة الضغوط الدولية وتفعيل آليات القانون الدولي والعمل على وقف تزويد إسرائيل بالسلاح الذي يستخدم في العمليات العسكرية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وفق الأطر القانونية الدولية، وربط العلاقات والتعاون الدولي باحترام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.
كما أن المجتمع الدولي مطالب بالعمل الجاد من أجل وقف الحرب وإنهاء الحصار والتهجير، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإعادة إعمار قطاع غزة، ووقف الاستيطان ومصادرة الأراضي، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية، وصولاً إلى معالجة أصل الصراع من خلال حل سياسي يضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية المشروعة.
إن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مزيد من مشاهد الاحتجاج داخل قاعات الأمم المتحدة بقدر ما تحتاج إلى إرادة سياسية دولية قادرة على تحويل المواقف إلى أفعال، فالمطلوب ليس فقط أن تخرج الوفود من القاعة احتجاجاً على خطاب نتنياهو، بل أن تخرج القرارات الدولية من أدراجها إلى أرض الواقع، وأن تتحول البيانات إلى إجراءات، والإدانات إلى ضغوط، والتضامن إلى خطوات ملموسة، فإذا كان العالم يريد فعلاً وقف الحرب وحماية الشعب الفلسطيني، فإن المعيار الحقيقي ليس عدد الوفود التي غادرت القاعة وإنما ما ستفعله بعد مغادرتها.