حسن لافي
في الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، تعود القضية الفلسطينية إلى نيويورك في لحظة تحمل مفارقة لافتة: الرئيس الفلسطيني محمود عباس مُنع من الحصول على تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للسنة الثانية على التوالي، فيما تستعد المنظّمة للاستماع إليه عبر شاشة.
المفارقة أنّ هذه ليست المرة الأولى التي تصطدم فيها مشاركة القيادة الفلسطينية في الأمم المتحدة بقرار أميركي يتعلّق بالدخول إلى نيويورك. ففي عام 1988، رفضت واشنطن منح الرئيس الراحل ياسر عرفات تأشيرة دخول، فقرّرت الجمعية العامة، بعد أن رفضت الولايات المتحدة التراجع عن موقفها، أن تنظر في قضية فلسطين في مقرّ الأمم المتحدة بجنيف بين 13 و15 كانون الأول/ديسمبر، حيث ألقى عرفات كلمته أمام الجمعية العامة.
بين المشهدين ثمانية وثلاثون عاماً. وبينهما أيضاً كثير من التحوّلات في القضية الفلسطينية وفي النظام الدولي نفسه. لذلك لا تكمن أهمية المقارنة في أنّ وسائل الاتصال تغيّرت، ولا في أنّ الجمعية العامة وجدت اليوم وسيلة تقنية لتجاوز غياب الرئيس عباس. الأهم هو السؤال الذي تتركه المقارنة مفتوحاً: ما الذي تغيّر في علاقة الأمم المتحدة بالقضية الفلسطينية خلال هذه العقود؟
فالأمم المتحدة لم تكن بالنسبة إلى فلسطين مجرّد مكان لإلقاء الخطب أو إصدار القرارات. فمن داخلها تشكّل جزء أساسي من الإطار السياسي والقانوني الذي عُرّفت من خلاله القضية، وتبلورت مفاهيم مثل قضية اللاجئين، والأراضي المحتلة، والقدس، والاستيطان، والحدود، وحقّ تقرير المصير.
لكنّ هذا الدور لم يكن ثابتاً بالضرورة، كما أنّ العالم الذي تعمل فيه هذه المرجعية لم يبق ثابتاً هو الآخر.
ومن هنا تبدأ قراءة اللحظة الراهنة: ليس من السؤال التقليدي عن عدد القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة بشأن فلسطين، ولا عن عدد القرارات التي لم تُنفّذ، وإنما من سؤال أوسع: كيف تغيّرت العلاقة بين المرجعية التي صاغتها الأمم المتحدة وبين الواقع السياسي الذي تتحرّك فيه القضية الفلسطينية؟
للإجابة عن ذلك، لا يكفي النظر إلى قرار واحد أو موقف واحد. فالتحوّل، إن كان قد حدث، يظهر في المسافة التي أخذت تتشكّل بين النصّ الدولي والواقع، وبين ما تقرّره المؤسسات الدولية وما يجري إنتاجه خارجها.
حين كانت الأمم المتحدة جزءاً من صناعة الإطار
إذا أردنا فهم ما تغيّر، فعلينا أولًا أن نحدّد ما كانت الأمم المتحدة تفعله في القضية الفلسطينية.
ففي المراحل الأولى، لم تكن المنظّمة الدولية تتعامل مع فلسطين باعتبارها أزمة إنسانية فحسب، وإنما ساهمت في بناء الإطار الذي أصبحت القضية تُقرأ من خلاله دولياً. قرار التقسيم 181، ثمّ القرارات المتعلّقة باللاجئين، ثم إنشاء الأونروا، وصولاً إلى قرارات مجلس الأمن بعد حرب 1967، كلّها شكّلت طبقات متراكمة من المرجعية الدولية.
لكنّ أهمية هذه القرارات لا تكمن في عددها، بل في أنها صنعت لغة مشتركة أصبحت الدول والقوى السياسية مضطرّة إلى التعامل معها، حتى عندما اختلفت في تفسيرها أو في كيفيّة تنفيذها.
وهنا تحديداً تكمن أهمية قراري مجلس الأمن 242 و338.
فالقرار 242 الصادر بعد حرب 1967 وضع مبادئ أساسية للتسوية، بينها انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضٍ احتُلّت في النزاع، واحترام سيادة دول المنطقة وسلامة أراضيها وحقّها في العيش ضمن حدود آمنة ومعترف بها. ثم جاء القرار 338 عام 1973 ليطالب بتنفيذ القرار 242 وبدء مفاوضات بهدف إقامة سلام عادل ودائم.
لم يكن هذان القراران وحدهما كافيين لحلّ القضية الفلسطينية، بل إنّ الفلسطينيين أنفسهم انتقدوا منذ البداية اختزال القضية في إطار أوسع للصراع العربي الإسرائيلي. لكنهما أصبحا مع ذلك جزءاً أساسياً من المرجعية التي تحرّكت ضمنها عملية السلام لاحقاً.
وهنا تظهر نقطة مهمة: كانت الأمم المتحدة، بدرجات متفاوتة، تنتج الإطار الذي تتحرّك داخله السياسة، لا تكتفي بتسجيل ما أنتجته السياسة. وهذا هو الدور الذي سيصبح لاحقاً موضع اختبار.
القرار يبقى.. لكنّ الأرض تتحرّك
أوضح مثال على هذه المفارقة هو الاستيطان.
في كانون الأول/ديسمبر 2016، اعتمد مجلس الأمن القرار 2334، مؤكّداً أنّ إنشاء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، “ليست له شرعية قانونية”، وأنه يشكّل انتهاكاً للقانون الدولي وعقبة أمام حلّ الدولتين. كما طالب بوقف النشاط الاستيطاني، وأعاد تأكيد عدم الاعتراف بالتغييرات التي تطرأ على خطوط 4 حزيران/يونيو 1967 إلا إذا تمّ الاتفاق عليها من خلال المفاوضات.
المشكلة هنا ليست أنّ القرار لم يكن واضحاً.
كان واضحاً.
وليست المشكلة أنّ المجتمع الدولي لم يكن يعرف موقفه القانوني من الاستيطان.
كان الموقف معلناً.
المشكلة أنّ الواقع الذي يفترض أن يعمل القرار على تنظيمه استمر في التحرّك في الاتجاه الآخر.
وهذه هي النقطة التي تستحقّ الانتباه. فعندما يتسع واقع الاستيطان بينما تبقى المرجعية الدولية على حالها، لا نكون أمام مجرّد فجوة بين “القرار والتنفيذ”. نحن أمام شيء أكثر عمقاً: اتساع المسافة بين المرجعية التي تقول ما ينبغي أن يكون، والقوى التي تملك القدرة على تحديد ما سيكون.
وهنا يبدأ التغيير في طبيعة دور الأمم المتحدة، فهي ما زالت تنتج النصوص، لكنّ النصوص لم تعد بالضرورة قادرة على إنتاج البيئة التي تجعلها فاعلة.
الأونروا.. عندما تصبح الولاية الدولية نفسها موضع اختبار
الأونروا تقدّم اختباراً آخر، وربما أكثر حساسية، لأنّ الأمر هنا لا يتعلّق بقرار سياسي حول الحدود أو التسوية، بل بمؤسسة أنشأتها الجمعية العامّة نفسها.
أنشئت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” بموجب قرار الجمعية العامة 302 في 8 كانون الأول/ديسمبر 1949، وبدأت عملها في أيار/مايو 1950. أي أنها ليست منظّمة أنشأتها دولة أو مجموعة دول ثم حصلت لاحقاً على غطاء دولي؛ بل هي مؤسسة نشأت بقرار من الأمم المتحدة وأصبحت جزءاً مستمراً من بنيتها المتعلّقة بالقضية الفلسطينية.
ولهذا فإنّ الصراع حول الأونروا يتجاوز مستقبل وكالة إغاثية. فالسؤال يصبح: ما قيمة الولاية التي تمنحها الأمم المتحدة لمؤسسة، إذا استطاع طرف في النزاع أن يغيّر شروط عملها على الأرض من دون أن تتغيّر الولاية التي أنشأتها؟
هنا تظهر مشكلة مختلفة عن عدم تنفيذ قرار سياسي. في حالة القرار 2334، هناك قرار دولي يطالب بوقف الاستيطان بينما يستمر الاستيطان.
أما في حالة الأونروا، فهناك مؤسسة ذات تفويض أممي، لكنّ قدرتها على ممارسة هذا التفويض تصبح مرتبطة بصورة متزايدة بالبيئة التي تفرضها أطراف الصراع.
وهذا يضعنا أمام تحوّل مهم: لم تعد المسألة فقط في قدرة الأمم المتحدة على فرض قرارها، بل في قدرتها على حماية المؤسسات التي تعمل باسمها.
عندما يأتي الإطار إلى الأمم المتحدة بدل أن يخرج منها
في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2803، الذي أيّد خطة أميركية لإنهاء الحرب في غزة، ورحّب بإنشاء “مجلس السلام” بوصفه هيئة انتقالية، وأجاز إنشاء قوة دولية مؤقتة لتحقيق الاستقرار في القطاع.
أهمية القرار بالنسبة إلى موضوعنا لا تكمن فقط في مضمونه، وإنما في مسار إنتاجه.
فالخطة السياسية الأساسية لم تبدأ داخل الأمم المتحدة باعتبارها إطاراً أممياً ناتجاً عن عملية تفاوضية تقودها المنظّمة. بل جاءت من خارجها، ثم انتقلت إلى مجلس الأمن لتكتسب غطاءً دولياً وشرعية أممية.
وهنا نرى صورة مختلفة عن الدور التقليدي للأمم المتحدة، فبدل أن تكون المنظّمة هي المكان الذي يُنتج فيه الإطار السياسي ثم تتحرّك السياسة داخله، يمكن أن يأتي الإطار من خارجها، ثم تأتي المنظّمة لتمنحه صفة دولية.
لا يعني ذلك أنّ القرار 2803 ألغى القرارات السابقة، ولا أنّ الأمم المتحدة تخلّت عن مرجعيتها القانونية المتعلّقة بفلسطين. لكنه يكشف تغيّراً في تسلسل صناعة السياسة: السياسة يمكن أن تبدأ خارج المؤسسة الدولية، ثم تأتي المؤسسة لاحقاً لتمنحها شرعية دولية.
وهنا يصبح السؤال أكثر دقة من القول إنّ الأمم المتحدة “ضعفت”:
من يضع الإطار أولاً، ثمّ ماذا تفعل الأمم المتحدة بهذا الإطار؟
من نيويورك إلى جنيف ثمّ إلى الشاشة، لا تكمن المسألة في الطريقة التي يصل بها الصوت الفلسطيني إلى الجمعية العامّة، بل في المسافة التي اتسعت بين حضور فلسطين في المؤسسة الدولية وقدرة المؤسسة على التأثير في البيئة التي تتشكّل فيها قضيتها.
فالقرار 242 لم يختفِ، والقرار 2334 لم يُلغَ، وولاية الأونروا لم تنتهِ بمجرّد الضغط عليها، كما أنّ قرارات مجلس الأمن الجديدة لا تمحو ما سبقها. النص الدولي ما زال موجوداً.
لكن في الوقت نفسه، تتغيّر الأرض، وتُفرض وقائع جديدة، وتُختبر مؤسسات أنشأتها الأمم المتحدة، وتظهر أطر سياسية تُصاغ خارجها ثم تصل إليها لا لكي تنتجها، وإنما لكي تمنحها الغطاء الدولي.
وهنا تتحدّد المشكلة الحقيقية. ليست في أنّ الأمم المتحدة لا تصدر قرارات بشأن فلسطين؛ فهي تفعل ذلك باستمرار. وليست فقط في أنّ بعض قراراتها لا تُنفّذ؛ فهذه حقيقة قديمة.
المسألة الأعمق هي أنّ المرجعية الدولية نفسها أصبحت تتحرّك داخل بيئة سياسية لا تملك الأمم المتحدة وحدها القدرة على تشكيلها.
وهذا يغيّر السؤال الفلسطيني داخل المنظمة: لم يعد السؤال فقط كيف نحصل على قرار جديد، بل كيف نحافظ على قدرة القرارات القائمة على أن تبقى مرجعية سياسية وقانونية، لا مجرّد سجل لما كان ينبغي أن يكون.
في 1988، عندما مُنع عرفات من الوصول إلى نيويورك، نقلت الجمعية العامة قضية فلسطين إلى جنيف كي يبقى حضورها قائماً داخل فضائها السياسي. وفي 2026، يبقى الصوت الفلسطيني حاضراً من شاشة في نيويورك.
لكنّ الفارق الأهمّ ليس بين جنيف والشاشة.
إنه في المكان الذي تُصنع فيه الشروط التي ستحدّد مستقبل القضية الفلسطينية.
فلسطين ما زالت في قرارات الأمم المتحدة، لكنّ واقعها يُصنع خارجها.