آخر الأخبار

المجلس الوطني الفلسطيني: الفصائل تنتخب نفسها!

1c916d55-df84-42d7-99f7-13da4a369219-rthaa5tamz6nzlyv6iv9zmfyy41fh1dqrbhmjf83u8

أيهم السهلي

يعوّل العقل الفصائلي الفلسطيني على عزوف الشعب عن الفصائل، وعدم اكتراثه بتدهورها الداخلي. ويدرك هذا العقل الجمعي أن الفلسطينيين، في بعض أماكن وجودهم، علاقتهم بالفصائل ليست بالضرورة علاقة انتماء وقناعة ببرنامج سياسي أو خلافه من هذه المصطلحات الكبيرة، إنما هي علاقة مرتبطة بمخصّص شهري، في الغالب لا يمكن أن يحل أزمة مالية، لكنه يساعد طالباً في مصاريفه، ويدعم ربّ العائلة في مصاريف بيته إلى جانب راتبه من عمل آخر. فيقضي هؤلاء، بموجب تعاقدهم مع فصيل ما، بضع ساعات حراسة أمام مكتب الفصيل (أو أي أعمال أخرى) مقابل مئة أو مئتي دولار شهرياً.

وينتفع العقل الفصائلي الفلسطيني، الذي يشكّل الجانب الرئيسي من السياسة الفلسطينية، من هذه العلاقة التي تربط الفلسطينيين بالفصائل، وذلك عندما تحين لحظة الاستخدام، وهي لحظة الاستحقاق العام، كـ«الانتخابات» التي نحن في صددها اليوم، أي «انتخابات» المجلس الوطني الفلسطيني، وكلمة «انتخاب» يُفترض معها مصطلحات أخرى كعملية انتخابية ومرشحين وشعب يختار، واليوم مع توفّر الأولى والثانية، لا يُسمح للشعب أن يقوم بدوره الطبيعي، أي أن يختار من يمثّله، والسبب كما يبدو عدم ثقة الفصائل بأن الناس سيختارون منهم ممثلين، ويقينها بأن الناس بإرادتهم الحرة سيهدمون النظام السياسي الفلسطيني القائم على المُحاصصة، لكونه لم يعد يمثّل حقوق الفلسطينيين كما يجب أن تمثّل لشعب لديه قضية كبرى عاد العالم لينتفض لأجلها.
وبدل الانتخاب المباشر من قبل الفلسطينيين في الخارج، مثلاً لبنان، سيُشكّل مجمع انتخابي، سيوجد فيه في لبنان نحو 581 شخصاً، بالتأكيد اختارتهم الفصائل، هؤلاء سيختارون 18 عضواً للمجلس الوطني الفلسطيني، بالتأكيد اختارتهم الفصائل الفلسطينية، بمن فيهم «المستقلون».

وليس جديداً على القوى الفلسطينية أن تتصرف بهذه الطريقة، وخوض غمار الاستحقاقات السياسية بهذا الأسلوب القديم الذي لم يفكر أي فصيل بتجديده، أو العمل على تبديله من أصله، ولا سيّما أن الفصائل الفلسطينية التي كرّست هذه الأساليب، فعلت ذلك في مراحل نهوض ثوري، كانت فيه الثورة الفلسطينية هي محرك الشعب الفلسطيني الذي كان يشكّل هذه الفصائل، فبعد أواخر ستينيات القرن الماضي، وفي سبعينياته وثمانينياته، كان الانتماء إلى هذه الفصائل شرفاً كبيراً لا يخصّ الفلسطينيين فقط، بل العرب الذين أتوا من بلدانهم للانتماء إلى فصائل الثورة الفلسطينية، فقد كان لقب الفدائي مدعاة فخر وحياة، ليس في المخيم، بل في أقصى المغرب العربي، كما في أقصى مشرقه، عدا دول العالم المختلفة.

لكنّ الواقع تغيّر اليوم كلياً، ولا سيّما في الشتات، فعدا الفدائيين، الذين تحوّل اسمهم إلى مقاومين أو مجاهدين، لم تعد في الفصائل الفلسطينية التاريخية، فصائل منظمة التحرير، أسماء كبيرة، كياسر عرفات وجورج حبش ونايف حواتمة وغيرهم، اليوم لا يعرف الجمهور أحداً، باستثناء المهتمين بالسياسة أو المتابعين لشؤونها. ويعرف الناس أيضاً القادة الأسرى، فهؤلاء قدّموا تضحيات كبيرة يقدّرها الناس.
التجديد والتطوير المطلوبان، هما القدرة على ابتداع أساليب جديدة، تُشعِر الفلسطينيين بظهرهم الذي ينحني مع الوقت من دون أن يجد له سنداً. والفصائل التي تبحث اليوم عن الانتخابات ونتائجها الأفضل لكل فصيل، رغم أن النتائج سيحددها التوافق في آخر المطاف، ضعيفة في التواصل مع شعبها. والكارثة أن معظم الفلسطينيين في المخيمات، وتحت وطأة أزماتهم اليومية، لا يعرفون أن هناك انتخابات يجري التخطيط لها، وأنها ستقام في لبنان مثلاً في مطلع الشهر المقبل، وأن «الفائزين» هم ممثّلون عن الفلسطينيين في لبنان.

بالطبع هذه الانتخابات وأسلوبها يثيران انتقاد فصائل خارج منظمة التحرير الفلسطينية كحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»؛ وفصائل أخرى كانت جزءاً من المنظمة، ظلّت حساباتها السياسية ردحاً من الزمن مرتبطة بحسابات وأجندات بعض الدول العربية، وهي فصائل تمثيلها في الغالب حاصله صفر، وبعضها صفر مُكعّب، وهو ما لا ينطبق على «حماس» و«الجهاد»، فهما فصيلان قويان على الأرض وبين الناس، وإن بنسب متفاوتة.

هؤلاء شكّلوا «اللجنة الوطنية لانتخابات المجلس الوطني الفلسطيني»، للاعتراض على أسلوب اختيار أعضاء المجلس الوطني عن لبنان، تحت مُسمى «انتخاب»، وهم وإن كانوا محقّين في طرحهم، إلا أنهم كالعادة لجأوا إلى المؤتمرات الصحافية والبيانات الاستنكارية، لكنهم هذه المرة مارسوا السياسة بأسلوب براغماتي قوي، باتخاذهم العنوان السابق نفسه، لما يحمله من دلالة على الوحدة والارتباط بالكل الفلسطيني، في حين أنه لا يدل على معارضة انتخابات المجلس الوطني.

التجديد والتطوير عصيّان وصعبان على القوى الفلسطينية مجتمعة، فهي، وإن أدركت أن العالم يتغيّر بسرعة هائلة، لا تجرّب المواكبة، وربما لا تقدر. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة، التغيّر على المستوى الفلسطيني بات أسرع وأقوى وأكثر تحدّياً في الشأن الداخلي؛ وهو لدى فئة كبيرة لا تمارس السياسة ولا تنتمي إلى القوى السائدة، ولا تعطي أفضلية لفصيل على آخر، لا لـ«حماس» التي قامت بـ«طوفان الأقصى»، ولا لـ«فتح» التي تحاول الاستفادة من الرأي الشعبي المناقض لنتائج الحرب في غزة، وتقديم نفسها على أنها «الحل».

في أحسن الأحوال، الشعب الفلسطيني مُستاء أكثر من أي شيء آخر. لكن بعد الحرب، علاقته تزداد سوءاً مع كل يوم جديد لا يجد إجابات لدى كل هذه الفصائل الكبيرة والصغيرة حول أسئلته المصيرية، وهي محصورة في وجوده وحقوقه المصيرية قبل السياسية.
يجب أن يكون هناك اعتراف حقيقي من كل الفصائل الفلسطينية، بفشل العقل الفصائلي الفلسطيني؛ فهو وإن كان في يوم من الأيام مُبادِراً ومُبدِعاً، لكنه اليوم حائر وغائب، ويجرّب المستقبل بأدوات الماضي من دون النظر إلى الحاضر.

* كاتب فلسطيني

شارك على :

واتس أب
فيسبوك
تويتر
تيليغرام
لينكد إن
بين تريست
الأيميل
طباعة