صدقي عاصور
هنالك طبعاً سببان لحظر نعي السيد حسن نصرالله في الحيز العام العربي (يتحدّث عامر محسن عن أولئك الذين يبكونه سرّاً): بداية السخط الأيديولوجي الأخلاقوي (خاصة من قبل السلفيين) بسبب تدخل حزب الله في سوريا، وسخط نهاية الأيديولوجيا الواقعي (من قبل العلمانيين) بسبب قتال حزب الله لإسرائيل. وصنفا السخط هذان عادة ما يتناقضان مع بعضهما البعض.
هذا المقال لدي نادر من نوعه، ترددت في كتابته، لأنني منذ استشهاد السيد لم أعد أكتب مقالاً ينقلب إلى الكلام المبني على العاطفة، خاصة وأن خصومك السياسيين والثقافيين باستقالتهم عن التفكير في قضاياهم، يجعلونك تكره التفكير العاطفي في قضيتك أنت، لذا انهمكت بفكرة واحدة، ربما تعلمتها من مهدي عامل؛ إذا انتصرت حلل، واذا هزمت حلل، ذلك لأن تحويل الهزيمة إلى نصر ليس أولوية، والبكائيات التي تدين من يحاول تحويل الهزيمة إلى نصر ليست أولوية، بل المهم هو تحليل وجهة التاريخ وتناقضاته والفرص التي يأتي من خلالها التحرر العربي.
هنالك اختراع متخيل للآخر “غير المنطقي” في سياق النعي، ففي حيز التأبين الروحي-الحوزوي للسيد نصر الله هناك خليط من النظرة الطائفية والاستشراقية لتلك الطقوس التي ينبغي أن تكون محمية دستورياً وحقوقياً في حق حرية الممارسة الدينية، ومن ناحية التأبين العلماني الوطني للسيد، هنالك نظرة ليبرالية استعلائية تدعي أن موقف النعي هو نوع من تمجيد القائد الملهم الشمولي الآتي من القرن العشرين، وحتى النعي غير الديني أو الوطني، المدفوع بأبسط حس بالمسؤولية والدماثة من قبل سياسيين يحسب عليهم كلامهم، فهذا أيضاً يتعرض للهجوم الشعبوي (بالسابق كان الناس يختلفون مع سعد الحريري ووليد جنبلاط بسبب الموقف من أميركا أو سوريا، أما اليوم أن تعتبر نفسك جذرياً ومتمرداً ليس لأنك امتنعت عن نعي نصرالله، بل لأنك انتقدت نعي الحريري وجنبلاط لـ”السيد حسن ورفاقه”، فهذا يدخل في خانة المرض الطفولي لا في ممارسة السياسة).
حتى ما يتعارف هؤلاء عليه كعقلية “مؤدلجة” لدى الناعي، فذاك يجانب الدقة. نهاية أيلول بالعام السابق أرسل لي المحرر رسالة: “كيفك رفيق”. لزمني حتى نصف تشرين حتى أدركت أنه أرادني أن أكتب نعياً عن السيد دون أن يقر لي بذلك (حتى الآن). الرجل ربما كان أكثر حزناً وحياء من أن يكمل رسالته ويخبرني أنه هنالك ملف نعي في الأخبار ومر ذاك العام دون أي كلمة مني عن الموضوع. مثل هذه العفوية، البعيدة كل البعد عن صورة “روبوت التطبيل الممانع”، غير مناسبة لسردية المثقف العربي، الغارقة في نظريات المؤامرة حول “الشمولية” في خيمة المقاومة.
لكن عالم ما بعد السيد، في جنوب لبنان والجليل والضفة الغربية والأردن وصولاً إلى الكويت شرقاً، وغزة ومصر وصولاً إلى الجزائر غرباً، عالم أنثروبولوجي غني مليء بالتفكر والتأمل من الجدات والأطفال والنساء والشباب الذين تساءلوا قبيل استشهاده بالرسائل النصية عن أحواله كمن يتواصلون بشأن فرد عائلة بالمستشفى، هؤلاء الذين ما زالوا لليوم يستمعون لنصائحه الدينية والحياتية على الهاتف، ويتحادثون عن صدق تنبؤاته فيما يحدث بالمنطقة، ويترحمون عليه، أو على العكس يتبنون نظريات أنه ما زال حياً وأنه سيظهر في أية لحظة.
هذه الظاهرة أيضاً بالطبع تدان استشراقياً بأنها غير عقلانية. لماذا إذاً -بما أننا نتحدث عن الحضارة الغربية بالمقارنة معنا- كتب هوميروس ملحمة الأوديسة عن انتظار الأم والابن والأصدقاء والرفاق والعمال والمقاتلين عودة سيد قصرهم مهما طال غيابه؟
هنالك الكثير من أوجه الشبه بين قصة شباب الجنوب وقصة مقاتلي أوديسيوس، الانجرار إلى حرب طروادة كما حرب سوريا لإنقاذ من لا يستحق، وضياع عالمنا كما كنا نعرفه منذ ذلك الوقت، وضياع الثقة بين الناس بعد أن انكسرت في حرب سوريا القوانين الطبيعية، فأدى كسرها إلى ظهور يمين لبناني وعربي جديد، ضيفاً ثقيل الدماء قليل الحياء على البيت المشرقي، يستغل غياب السيد وانكسار القوانين الطبيعية كي يسمح لنفسه أن يكون شديد الوقاحة.
محاولة إنقاذ النظام الأسدي جعل الممانعة حصان طروادة، لكنه ليس الأول والأخير، هناك غزو العراق وأوسلو وغزو لبنان وكامب ديفيد وثورة البترودولار منذ السبعينيات وانتقال البعثيين العراقي والسوري بطريق الانقلابات لأقصى اليمين الفاشي، ومجزرة عين الحلوة، وحرب 1967 الغادرة، وطرد الناس من وطنهم بناء على عرقهم ودينهم عام 1948. من ذاك الغدر بدأ الانهيار وبات كل شيء مباحاً، واليوم تكتمل هذه الدائرة حيث الكثيرون معجبين بحصان طروادة الذي اسمه التطبيع.
من يريد الحديث اليوم عن “حماقة” المقاومة لن يعترف أن لها نقيضاً شديد الحماقة، وهو حرب البورجوازيات العربية على كل شيء إلا إسرائيل، والتي كانت بداياتها للمفارقة على أراض إغريقية-قبرصية، أولئك الذين تجرعوا مرارة نكبة ثم نكسة بحثوا عن البطولة في اختطاف الطائرات المصرية وهبطوا بها في قبرص، والسادات الذي تجرع مرارة المزيادة على زيارته إلى القدس، تبنى أسلوباً في معالجة الأزمة يثبت أنه منذ بداياتهم عرب الاعتدال أشد عتهاً بأشواط من عرب الرفض وإن كانت “العقلانية” علامتهم التجارية، حينها أرسل “الريس” الحكيم والمتعقل طائرة هرقل والكوماندوز إلى قبرص بحثاً عن عدو جديد يحل مكان القديم الذي هادنه (فدمر القبارصة هرقل كما طعن مار جرجس التنين)، ومنذ ذاك الوقت والعرب يرسلون جنودهم إلى حروب عدمية (كما في اليمن) باسم “الاعتدال”.
ومن يظن أن “أخطاء الممانعة” تجعل كل شيء مباحاً هو مرة أخرى لم يقرأ أو يشاهد ملحمة الأوديسة، هيمنة الاحتلال على بلاد الشام ما زالت في أولها، والناس قد تصبر عقداً أو اثنين على جنة “ما بعد الأيديولوجيا” -الانتقائية- التي وعدونا بها، وعلى “شعارات معاداة الشعارات”، لكن بعد ذلك لن يصمتوا (حتى في قلب أميركا لم تعد الناس تصمت) وإذا كانت حماس “لطيفة” بمفاوضاتها بالدوحة وكتلة الوفاء بمجلس النواب “لبقون” بحثاً عن طريق مختصر لـ”العودة” إلى بيت العربي، فمنفى أوديسيوس طال بالذات لانعدام جدوى الكلام واللطف واللباقة.
حتى لو لم يعد السيد، يبقى انتظار عودته أكثر عقلانية وواقعية من تصديق قساوسة وشيوخ أميركا في بلادنا.
* كاتب فلسطيني